
هل ما زال أحد من السوريين يؤمن بـ"الثورة" بعد أن ذاب الثلج وانكشف المرج وبانت العورة؟
قبل أكثر من عقد من الزمن، رفع بعض السوريين شعار "الثورة"، وكُتبت على جدران المدن والشوارع شعارات الحرية والتغيير. كلمات كبيرة، أحلام كبيرة، لكنها سرعان ما اصطدمت بجدار الواقع القاسي. اليوم، وبعد سنوات من الفوضى والمآسي، يظهر السؤال الأهم: هل ما زال أي سوري يؤمن بما سمّي "ثورة"؟
أولًا:
حال البلاد قبل "الثورة" وبعدها
قبل 2011، كان الواقع السوري صعبًا، لكن تحت سقف دولة مركزية قوية، يمكن فرض الأمن والاستقرار نسبيًا. أما بعد ما سمي "الثورة"، فقد تحوّل الواقع إلى كابوس يومي: اقتتال داخلي، نزوح جماعي، انهيار الاقتصاد، وتدمير الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء والتعليم والصحة.
الأرقام تكشف حجم الكارثة: أكثر من نصف السكان نزحوا داخليًا أو لجأوا إلى الخارج، نصف البنية الاقتصادية والإنتاجية دُمّرت، وقيمة الليرة السورية تدهورت إلى مستويات لم يشهدها التاريخ الحديث للبلاد. مدن كاملة مثل حلب، إدلب، ودرعا صارت رمادًا، والشوارع التي كُتبت عليها شعارات الحرية أصبحت شاهدة على الدمار والفقد.
ثانيًا:
ظهور الجماعات الإرهابية وجذرها الحقيقي
وإذا كانت "الثورة" تهدف إلى الحرية، فإن وصول جماعات مثل هيئة تحرير الشام وما دار في فلكها قلب كل شيء رأسًا على عقب. لم تكن مجرد مقاومة، بل امتدادًا لجذور إرهابية معروفة عالميًا. هذه الجماعات مارست القمع والاغتيالات والتهجير، واستغلت حالة الفوضى لبسط سيطرتها بالقوة، بعيدًا عن أي مشروع وطني حقيقي.
حقائق دامغة: تمويل خارجي، أسلحة مهربة، توجيه أيديولوجي من تنظيمات مثل القاعدة والدولة الإسلامية، تطبيق صارم لما يسمى "الشريعة" بمعايير متشددة، وإعدام معارضين ومدنيين. تجربة "الثورة" لم تكن سوى غطاء لأجندة إرهابية تركت السوريين يدفعون الثمن الأكبر.
شهادات حية من المدن:
- حلب: محمد، من سكان المدينة القديمة، يقول: "كل ما حلمنا به صار رمادًا. قبل الثورة كنا نخاف من السياسة، بعد الثورة صرنا نخاف على حياتنا ومنازلنا".
- درعا: أم سارة: "هربنا من القصف والقتال الداخلي، ووجدنا أن الذين رفعوا شعارات الحرية أصبحوا هم أنفسهم سبب فقداننا لكل شيء".
- إدلب: خالد: "الذين يدّعون أنهم ثوار، كانوا يفرضون علينا قوانينهم بالقوة والتهديد، لم يعد هناك حرية، فقط خوف دائم".
هذه الشهادات تؤكد أن كلمة "الثورة" فقدت معناها لدى الأغلبية، وأن الواقع المعيشي والنفسي أصبح مرعبًا أكثر من أي خوف سياسي سابق.
ثالثًا:
الواقع النفسي والاجتماعي للسوريين
اليوم، لم يعد الحديث عن "الثورة" سوى ذكرى مؤلمة. أصبح التركيز على البقاء وإعادة بناء ما دُمّر، وتأمين أبسط مقومات الحياة. تقارير أممية تؤكد فقدان الثقة في أي مبادرات خارج الإطار الوطني، وأن أولوية السوريين هي البقاء، لا الشعارات الكبرى.
خلاصة القول:
إذا كان السوريون قبل 2011 يحلمون بالحرية والكرامة، فإن السنوات التي تلت ما سمي "الثورة" أثبتت أن الطريق إلى الحرية لا يمكن اختصاره بالفوضى أو التسليم لجماعات إرهابية. كثير ممن رفعوا الشعارات الكبرى لم يكن لديهم رؤية لمستقبل البلاد، ومن دفع الثمن الأكبر هم السوريون العاديون، المواطنون الذين لم تكن لهم مطامح سوى الحياة الكريمة.
بعد كل هذه التجارب، وبعد انكشاف "عورة الواقع"، لم يعد الكثير من السوريين يرددون كلمة "الثورة" إلا بمرارة وحنق. الحقيقة الثابتة اليوم: من دفع الثمن الأكبر هم العباد، لا الشعارات.