--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

هل يمكن فعلاً غزو إيران؟ خرائط الجغرافيا العسكرية وحدود الوهم الاستراتيجي

Salah Kirata • ٥‏/٤‏/٢٠٢٦

17436.png

هل يمكن فعلاً غزو إيران؟ خرائط الجغرافيا العسكرية وحدود الوهم الاستراتيجي.

لم يعد النقاش في بعض الدوائر الاستراتيجية الغربية يدور حول إمكانية خوض حرب برية ضد إيران، بل حول سؤال أكثر تعقيدًا وخطورة: من أين يمكن أن تبدأ مثل هذه المغامرة إن كُتب لها أن تبدأ أصلًا؟ هذا التحول في زاوية النظر يكشف أن الفكرة لم تعد مجرد افتراض نظري، بل تمرينًا ذهنيًا على حدود القوة في مواجهة جغرافيا صلبة، ودولة بحجم قارة، وشبكة دفاعات متداخلة تجعل كل اتجاه محتمل نقطة ضعف ونقطة فخ في آن واحد.

عند تفكيك هذه التصورات، يتضح أن الجغرافيا الإيرانية ليست مجرد مساحة قابلة للاجتياح، بل منظومة دفاع طبيعية وبشرية معقدة. فالسواحل، والجبال، والممرات البحرية، والمراكز الاقتصادية، كلها ليست موزعة بشكل يسمح بضربة حاسمة واحدة، بل تتطلب عمليات طويلة النفس، متعددة الجبهات، ذات تكلفة سياسية وعسكرية هائلة.

في أقصى الجنوب، تبدو فكرة استهداف جزيرة خارك مغرية من منظور ضرب العصب الاقتصادي، باعتبارها بوابة رئيسية لتصدير الطاقة. لكنها في الوقت ذاته هدف مكشوف ومحدود المساحة، ما يجعل السيطرة عليها أقرب إلى “إنجاز تكتيكي” سريع التحول إلى أزمة إقليمية واسعة، خصوصًا إذا ما انعكس ذلك على أسواق الطاقة وحركة الملاحة في الخليج.

أما الانتقال إلى نقطة الاختناق الأهم، أي مضيق هرمز، فيفتح بابًا لحرب مختلفة تمامًا. السيطرة عليه لا تعني مجرد وجود عسكري، بل تفكيك منظومة دفاع ساحلية وصاروخية وبحرية متكاملة، تمتد من جزر وموانئ ومواقع مراقبة، وصولًا إلى عمق المدن الساحلية مثل بندر عباس وجزيرة قشم. لكن الأخطر أن هذا النوع من العمليات لا ينتهي بالسيطرة، بل يبدأ معها، لأن تأمين الممر البحري يتطلب وجودًا دائمًا في بيئة عدائية عالية الاستنزاف.

وفي الجزر المتنازع عليها مثل أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، تبدو الصورة أكثر رمزية من كونها استراتيجية. السيطرة عليها قد تحمل رسائل سياسية قوية، لكنها لا تغيّر ميزان القوة فعليًا، ولا تفتح ممرًا بريًا أو عمقًا عملياتيًا داخل الدولة الإيرانية، ما يجعلها أقرب إلى مكاسب إعلامية محدودة التأثير العسكري.

الانتقال إلى الساحل الجنوبي الشرقي عبر محور تشابهار – كونارك يقدّم خيارًا أقل تحصينًا من الناحية العسكرية، لكنه في المقابل يضع أي قوة مهاجمة في مواجهة معضلة المسافات. فهذه المنطقة، رغم هشاشتها النسبية، بعيدة عن مراكز الثقل السياسي والاقتصادي، ما يعني أن أي تقدم أولي فيها لن يتحول إلى اختراق حاسم، بل إلى استنزاف تدريجي طويل، يتطلب خطوط إمداد مفتوحة في بيئة معادية ومعقدة.

لكن أخطر السيناريوهات يبقى ذلك الذي يعيد إنتاج مسار الحرب العراقية–الإيرانية، عبر جنوب غرب إيران، في إقليم خوزستان، من بوابة تشبه مسار البصرة عبر الحدود مع الكويت والعراق. هذا المسار، رغم ما يبدو فيه من منطق عملياتي بسبب قربه من العمق الإيراني الاقتصادي والطاقة، إلا أنه الأكثر تعقيدًا سياسيًا. فالعراق لم يعد أرضًا محايدة، بل ساحة نفوذ متشابكة، والميليشيات المسلحة المرتبطة بطهران تشكل طبقات دفاع غير نظامية تجعل أي تقدم بري أشبه بالدخول في مستنقع مفتوح متعدد الجبهات.

في المحصلة، لا يبدو أن المشكلة في اختيار الطريق بقدر ما هي في وهم إمكانية وجود طريق سهل أصلًا. فكل سيناريو، مهما بدا منطقيًا على الخرائط، يصطدم بحقيقة واحدة: إيران ليست هدفًا يمكن عزله جغرافيًا أو حسمه بضربة أولى، بل مساحة ممتدة من التداخلات العسكرية والسياسية والاقتصادية، حيث يتحول أي تقدم إلى اختبار استنزاف طويل، لا إلى انتصار سريع.

وهكذا، فإن إعادة طرح فكرة الغزو البري لا تكشف فقط حدود القوة العسكرية، بل تكشف أيضًا حدود الخيال الاستراتيجي حين يتجاهل تعقيدات الأرض وسكانها وتاريخها.