
حماة الديار:
بين إرث وطني ومحاولات الاستبدال...
في عام 1938، وفي ظل الجمهورية السورية، اعتمدت سورية رسميًا نشيد "حماة الديار"، من كلمات خليل مردم وألحان الأخوين فليفل، ليصبح رمزًا للوطنية، وجسرًا بين التاريخ والحاضر، يحمل في طياته روح التضحية والفخر بالوطن. هذا النشيد لم يكن مجرد كلمات وألحان، بل ذاكرة جماعية متجذرة في وجدان السوريين على مدى عقود...
المؤلم أن هذا الإرث الوطني الذي لاسيما بصلة لا لحزب البعث ولا لآل الأسد الذين اغتصبوا البلد وسرقوه ونهبوه ومن ثم حرقوه، تم استبداله في العام الماضي دون أي صلاحية أو أحقية قانونية أو شعبية، وأن ثمة محاولة لاحقة خلال نفس العام لاستبداله مرة أخرى، هذه المرة بنشيد من وضع معالي وزير الثقافة والاستاذ أنس الدغيم، الذي كان بينه وبين الرئيس احمد الشرع ماصنع الحداد الا انهما التقيا على نعمة ( الاسلام ) القاعدي والهيئوي، وذو الجذور الإرهابية، والقناعات الجهادية...
الصواب أن الأمر لا يقتصر على تغيير فني، بل يمثل محاولة مبرمجة لتغيير الرموز الوطنية وإعادة كتابة الهوية السورية، بما يفرض رؤية ضيقة على ذاكرة شعب كامل.
في هذا السياق، يتضح الفرق الشاسع بين الرموز الأصيلة وبدائلها: فبينما يظل نشيد "حماة الديار" يحمل عمق الوطن وذاكرته التاريخية، وروح التضحية والفخر المشتركة بين السوريين، جرى استبداله بقصيدة رائعة ولها مكانتها في الذاكرة والوجدان السوريان، قبلنا وركبنا وتغابينا أحد لم نتصور معه أن التبديل كان مؤقتا وتمهيدا للاستبدال الأخطر...
هنا يخطر بالبال كم هو الفارق فلكي بين اي من أغنيات السيدة فيروز لدمشق، واي اغنية هابطة تبرز من خلالها مؤديتها مفاتن جسدها في المرابع الليلية ذات الخصوصية لجهة الرواد...
على العموم الأمر هنا ليس مجرد اختلاف وجهة نظر حول كلمات أو لحن وليس مقارنة بين شاعر عريق واخر مبندق، ومع ذلك فالمسافة بين خليل مردم وعمر ابو ريشة وعهدهما وبين معالي الوزير والاستاذ غنيم والعهد الذي يمثلون كما هي المقارنة بين ( ........ والمرحبا) بل المسألة وطنية وثقافية بامتياز، فالنشيد الوطني لا لايجوز أن يُستبدل ببدائل عابرة، ولا تُمس كلماته أو ألحانه الموروثة بعواطف آنية أو أهواء سياسية، فالمحافظة على إرث خليل مردم وعمر أبو ريشة والأخوين فليفل ليس ترفًا، بل واجب وطني لضمان استمرار الهوية السورية الأصيلة وحفظ ذاكرة الأمة...
إن محاولات استبدال نشيد له مكانته منذ 1938 لا يمكن تفسيرها إلا في إطار إعادة تشكيل مصطنعة للهوية الوطنية، وهي محاولة خطيرة تستوجب وعيًا جماعيًا لحماية الإرث الوطني من كل من يحاول تهميشه أو محوه، فالذاكرة الحقيقية للشعب لا تُستبدل بسطحيات أو نصوص عابرة مهما كانت النوايا المعلنة.