
حتى لا يولد الاستبداد من جديد.
حين يصل الناس إلى حدّ العجز عن تأمين أبسط شروط الحياة، يصبح الاحتجاج حقاً طبيعياً لا يحتاج إلى تبرير. وفي بلد يعيش ملايين أبنائه تحت وطأة الحاجة والفقر، لا يمكن اعتبار المطالبة بالخبز والكرامة فعلاً مشبوهاً أو مؤامرة، بل هو التعبير الأكثر وضوحاً عن حق الناس في الحياة.
المشكلة لا تبدأ من رفض المطالب نفسها، فالجميع يعترف بأنها محقة، بل من الهجوم على أصحابها. تُعاد اليوم الأسطوانة القديمة نفسها: الاعتراف بشرعية المطالب، ثم تحويل الأنظار نحو التشكيك بالمحتجين واتهامهم بالارتباطات والنيات الخفية. وهكذا يصبح النقاش حول الأشخاص لا حول الجوع، وحول النوايا لا حول لقمة العيش.
ما جرى في اعتصامات دمشق الأخيرة كشف هذا بوضوح؛ فبدلاً من حماية المحتجين واحترام حقهم، تعرضوا للإهانة والتهديد والاعتداء من مجموعات تتصرف بعقلية الشبيحة القديمة نفسها، لكنها ترتدي وجهاً جديداً. والسلطة بدورها تبدو وكأنها تمارس دورين في آن واحد: تظهر رسمياً بمظهر الحامي، بينما يُترك المعتدون بلا محاسبة، وكأن الرسالة تصل عبر وكلاء غير رسميين.
الخوف من عودة النظام السابق أصبح لدى بعض أنصار السلطة الحالية هاجساً يدفعهم إلى رفض أي نقد أو احتجاج، وكأن مجرد رفع الصوت يفتح الباب لعودة الاستبداد القديم. لكن المفارقة أن قمع الناس ومنعهم من التعبير هو الطريق الحقيقي لإعادة إنتاج الاستبداد نفسه، لا لمنعه.
الضمانة الوحيدة لعدم تكرار التجربة السورية المريرة ليست في الصمت، بل في حضور المجتمع وقدرته على الضغط والمحاسبة. حين يتراجع الناس أمام السلطة، تبدأ السلطة ببناء أدوات سيطرتها تدريجياً، ويولد شكل جديد من “الأبد” السياسي الذي يصعب كسره لاحقاً.
سورية لا تحتاج إلى أبد جديد بوجوه مختلفة، بل إلى مجتمع حيّ يرفض الخوف، ويدافع عن حقه في الكلام والمطالبة والمشاركة. فالصمت لا يحمي الأوطان، بل يفتح الطريق أمام استبداد جديد قد يكون أكثر كلفة من سابقه.