
حين كانت الدبلوماسية تُصاغ بالعقول… وحين أصبحت تُدار بالشعارات
لم يكن موقع سفير سوريا في واشنطن، في منتصف القرن الماضي، مجرد منصب بروتوكولي يُمنح بالمجاملة أو الولاء، بل كان مرآة لصورة الدولة السورية ومكانتها الثقافية والسياسية أمام العالم.
في خمسينيات القرن العشرين، أوفدت سوريا إلى الولايات المتحدة رجلًا بحجم ؛ أحد كبار رجال القانون والفكر في المشرق العربي، ومن المساهمين في تأسيس منظمة الأمم المتحدة، وركنًا من أركان النهضة القانونية والثقافية في سوريا. كان حضوره يمثل دولة تؤمن بأن العلم والخبرة والهيبة الفكرية هي الطريق إلى احترام العالم.
ثم جاءت ستينيات القرن الماضي، فاختارت دمشق الشاعر والدبلوماسي سفيرًا لها في واشنطن؛ رجلًا حمل اللغة العربية إلى المنابر الدولية كما يحمل الفنان روحه إلى المسرح. لم يكن مجرد موظف سياسي، بل كان صورة لبلد يرى في الثقافة جزءًا من قوته الناعمة، وفي الأدب عنوانًا لحضارته.
أما اليوم، وفي عام 2026، فإن المشهد يبدو مختلفًا إلى حدّ الصدمة. فالمقارنة بين الأمس واليوم لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تكشف التحول العميق الذي أصاب مفهوم الدولة نفسها؛ من دولة كانت تبحث عن أفضل العقول لتمثيلها، إلى واقع باتت فيه المعايير الأخرى تتقدم على الكفاءة والمعرفة والخبرة.
التاريخ، في الحقيقة، لا يعيد نفسه كما يقال.
لكنه يكشف، بمرور الزمن، مقدار الصعود أو الانحدار الذي يمكن أن تصله الأمم. وبين زمن فارس الخوري وعمر أبو ريشة، والزمن الذي نعيشه اليوم، تبدو المسافة أبعد من مجرد سنوات… إنها مسافة بين مشروع دولة، ومشهد دولة أخرى.