حين كتب حافظ الأسد بيده بداية نهاية سيرته :
لم يكن حافظ الأسد مضطراً لأن يهدم بيده ما بناه على امتداد ثلاثة عقود. لم يكن مجبَراً، لا بضغط خارجي ولا بضرورة داخلية حتمية، على أن يحوّل سيرة سياسية صُنعت — شاء من شاء وأبى من أبى — بوصفها سيرة ( دولة ) إلى سيرة ( عائلة ) ، ولا أن يستبدل منطق الجمهورية، ولو المشوّهة، بمنطق الوراثة الصريحة التي لا لبس فيها...
هنا تحديداً تبدأ المفارقة الكبرى : الرجل الذي قدّم نفسه باعتباره منقذ الدولة من الانقلابات، وباني الاستقرار بعد الفوضى، وصاحب مشروع ( الدولة المؤسساتية ) — ولو بالحد الأدنى — هو نفسه الذي قرر، بمحض إرادته، أن ينسف الركيزة الأخلاقية والسياسية الأخيرة التي كانت تمنح حكمه قابلية الدفاع عنه تاريخياً...
توريث الحكم لم يكن مجرد إجراء دستوري عابر، ولا تفصيلاً تقنياً فرضته الظروف، كان فعلاً تأسيسياً معاكساً لكل ما حاول النظام أن يقنع به السوريين طوال عقود: أن ما جرى عام ١٩٧٠ لم يكن انقلاب عائلة، بل ( حركة تصحيح )، وأن السلطة لم تكن امتيازاً شخصياً بل وظيفة تاريخية...
" بهذا القرار، لم يُساء إلى مستقبل سورية فحسب، بل أُعيدت كتابة الماضي كله بأثر رجعي "...
فقبل التوريث، كان بالإمكان — ولو بشق الأنفس — أن يُقدَّم حافظ الأسد بوصفه رجل دولة استبدادي، لا طاغية سلالة، حاكماً أقام نظاماً أمنياً قاسياً، نعم، لكنه في الوقت نفسه حافظ على شكل الدولة، وعلى فكرة أن السلطة، نظرياً على الأقل، ليست ميراثاً بيولوجياً، بعد التوريث، سقط هذا التمييز، وتحوّل كل ما سبق إلى تمهيد عائلي طويل...
الأخطر من ذلك أن التوريث لم يشوّه صورة الحاضر فقط، بل لوّث الذاكرة الوطنية ذاتها، سورية التي لم تعرف في تاريخها الحديث حكماً ملكياً مستقراً، والتي خرجت من الانتداب وهي مهووسة — إلى حد المرض — بفكرة الجمهورية والانقلابات باسم ( الشعب )، وجدت نفسها فجأة أمام سابقة لم تكن مستعدّة لها لا نفسياً ولا سياسياً :
( جمهورية تُدار بعقلية التاج )...
وليس صحيحاً أن المجتمع السوري كان مهيأً لتقبّل هذا التحوّل، فالصمت الذي رافقه لم يكن قبولاً، بل عجزاً، لم يكن رضى، بل انكساراً، وهو فرق جوهري يفسّر لاحقاً حجم الانفجار، لا سببه المباشر...
كان يمكن لحافظ الأسد أن يغادر السلطة بطريقة مختلفة، لم يكن مطلوباً منه أن يكون ديمقراطياً مثالياً، ولا أن يفتح النظام على مصراعيه، كان يكفي — تاريخياً — أن يغادر من دون أن يورّث، أن يترك فراغاً مضبوطاً، صراعاً سياسياً داخلياً، أو حتى انتقالاً قسرياً داخل بنية النظام نفسها، بمعنى أن يقوم بأي شيء… إلا تحويل الدولة إلى وصية عائلية، بالتوريث، لم يخسر النظام شرعيته فحسب، بل خسر منطقه الداخلي، فكل ما كان يُقال عن ( المؤامرة )، و( الخطر )، و ( الحاجة إلى القبضة الصلبة )، يصبح بلا معنى حين تُسلَّم البلاد إلى ابن لم يُختبر سياسياً ولا تاريخياً ولا اجتماعياً...
عندها، لا يعود السؤال :
- هل النظام قاسٍ؟..
بل :
- هل هو جاد أصلاً في ادعاءاته؟..
المفارقة المؤلمة أن حافظ الأسد، الذي كان يفهم توازنات الداخل والخارج ببراغماتية عالية، أخطأ في تقدير أخطر عنصر وهو الزمن، فقد ظنّ أن ما صمد في حياته سيصمد بعده آلياً، وأن الخوف يمكن توريثه كما تُورَّث السلطة، وأن الدولة ستتعامل مع الابن كما تعاملت مع الأب، وهذه كانت أعمق أوهامه...
التاريخ لا يُحاسب النوايا، بل النتائج، ونتيجة التوريث كانت واضحة وهي :
( إسقاط آخر قناع جمهوري عن نظام لم يعد قادراً حتى على الدفاع عن نفسه بلغته السابقة )...
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد مأساة سورية مجرد صراع على السلطة، بل صراع على معنى الدولة نفسها،
لهذا يمكن القول، من دون شتيمة ولا مبالغة، إن حافظ الأسد لم يُهزم في حياته، لكنه كتب بيده هزيمته التاريخية الأخيرة، لا يوم مات، بل يوم قرر أن يبقى حياً في الحكم بعد موته...
باختصار :
(إنها ليست مأساة رجل، بل مأساة دولة دفعت ثمن قرار لم يكن ضرورياً… ولم يكن قدرياً…
ولم يكن، في جوهره، سوى اختيار )...
ملاحظة:
لقد شيطن حافظ الأسد سيرته كاملة وفسح المجال لكل قيل وقال، وكذا فقد شيطن الجيش والحزب والطائفة، ووضع البلد على حافة الانهيار، رغم أن كل ماتمت شيطنته ربما فيه من الوطنيين والاخيار أكثر ما فيه من الخونة و الاشرار . هنا...