--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين لا يُطلب من الشعوب أن تغيّر أنظمتها فقط… بل أن تغيّر ذاكرتها أيضاً

Salah Kirata • ٢٣‏/٥‏/٢٠٢٦

37694.png

 حين لا يُطلب من الشعوب أن تغيّر أنظمتها فقط… بل أن تغيّر ذاكرتها أيضاً

سقوط الأنظمة أمر طبيعي في تاريخ الدول، وتبدّل الرؤساء جزء من حركة السياسة التي لا تعرف الثبات. بل إن محاسبة الظلم، أينما وقع، ليست فقط حقاً مشروعاً، بل شرطاً لأي حياة سياسية سليمة. لا جدال في ذلك، ولا ينبغي أن يكون.

لكن ما يثير القلق حقاً، وما يتجاوز السياسة إلى عمق الإنسان، هو حين يُطلب من الناس أن يتعاملوا مع التغيير وكأنه لا يطال السلطة وحدها، بل يطال الذاكرة نفسها. كأن المطلوب ليس فقط إعادة تشكيل الحكم، بل إعادة تشكيل العمر الذي مضى، بكل ما فيه من رموز، وأسماء، وصور، وتفاصيل صغيرة صنعت وعي الناس وهويتهم اليومية.

أنا مواطن سوري عشت الحرب كما عشت السلم، وتشكّلت طفولتي ومراهقتي وشبابي في هذا البلد بكل ما حمله من تناقضات. لم أكن متفرجاً على التاريخ، بل كنت جزءاً منه في حدود ما أتاحته لي الحياة من أدوار بسيطة أو مباشرة. ومع ذلك، يبقى ما هو أعمق من السياسة وأوسع من المواقع: التفاصيل الصغيرة التي صنعت الإنسان الذي أنا عليه اليوم.

علم البلاد، النشيد، أسماء المدارس، الشوارع، القصص التي تربّينا عليها في البيت والمدرسة، حتى المفاهيم الأولى التي تشكّل بها وعينا عن “العدو” و“الصديق”، عن “الشهيد” و“المخرب”… كلها لم تكن شعارات سياسية عابرة، بل كانت جزءاً من البنية النفسية والاجتماعية لجيل كامل. جيل لم يختر هذه التفاصيل، لكنه عاش داخلها، وتشكل بها، وراكم من خلالها ذاكرة كاملة عن الوطن والحياة.

ثم، فجأة، يُراد لهذه الذاكرة أن تُمحى، أو على الأقل أن تُعاد صياغتها كما لو أنها لم تكن. وكأن المطلوب من الإنسان أن يقطع ليس فقط مع نظام سياسي، بل مع طبقات عمره التي لا يمكن استبدالها أو حذفها بقرار إداري أو خطاب سياسي.

المسألة هنا ليست في تقييم نظام أو الدفاع عنه، ولا في تمجيد مرحلة أو تبرئتها من أخطائها. فالتاريخ لا يُكتب بالعواطف، ولا يُدار بالانحيازات. كثير من الرموز التي ارتبطت بمرحلة ما، يمكن ويجب أن تُناقش نقدياً ضمن سياقها التاريخي، وأن تُوضع في مكانها الصحيح من دون تقديس أو شيطنة.

لكن الفرق كبير بين نقد التاريخ، وبين محاولة اقتلاع الذاكرة. فالثورات التي انتصرت عبر التاريخ غيّرت أنظمة الحكم، وأعادت تشكيل المؤسسات، لكنها في معظم تجاربها العاقلة لم تدخل في حرب مع ذاكرة الناس نفسها. لم تعتبر أن ما عاشه الناس يجب أن يُلغى حتى يُبنى المستقبل، بل حاولت أن تفصل بين الدولة ككيان سياسي، وبين الإنسان ككائن يحمل ذاكرة وتجربة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي تحوّل سياسي هو أن يُطلب من المجتمع أن يعيد تعريف نفسه بالقوة، وأن يشعر بالذنب تجاه ماضيه لمجرد أنه كان جزءاً من مرحلة انتهت. فالشعوب لا تُبنى على القطيعة النفسية مع تاريخها، بل على القدرة على فهمه، نقده، وتجاوزه دون إنكاره.

إذا كان هناك من يرفض نظاماً سياسياً، فالتاريخ كفيل بوضع هذا النظام في سياقه، وتقييمه بميزان موضوعي، دون الحاجة إلى تمزيق كل خيط يربط الإنسان بمدينته، بمدرسته، وبذكرياته الأولى. فالوطن ليس نظام حكم فقط، بل هو أيضاً ما يتبقى في ذاكرة الناس بعد تغيّر كل شيء.

لسنا مضطرين لأن نحب تجربة سياسية كي نعترف بأنها كانت جزءاً من حياتنا. ولسنا مضطرين أيضاً لأن نمحو ما عشناه كي نثبت أننا انتقلنا إلى مرحلة جديدة. فهناك فرق بين التحرر من الاستبداد، وبين التحرر من الذاكرة نفسها.

في النهاية، يمكن القول إن أخطر ما تواجهه المجتمعات بعد التحولات الكبرى ليس فقط إعادة توزيع السلطة، بل إعادة التوازن بين الماضي والمستقبل. فالمستقبل لا يُبنى على محو ما سبق، بل على فهمه، وتجاوزه بوعي، لا بإنكار.