
حين صار السؤال تهمة… حكاية ابن رشد الذي عاد من رماده
في مدينةٍ كانت تفيض بالفقهاء والشعراء والكتبة، كان هناك رجل يمشي هادئا كأنه يعرف مسبقا أن نهايته ستكون باهظة، وأن الأفكار التي يحملها أخطر من السيوف والجيوش.
لم يكن ابن رشد نبيا، ولا ثائرا يقود الجموع، ولا صاحب جيش يريد إسقاط العروش.
كان فقط رجلا يؤمن بأن الله الذي منح الإنسان عقلا، لم يخلقه لكي يعيش مطأطئ الرأس أمام الخوف، ولا لكي يتحول إلى نسخة مكررة داخل قطيع كبير يتقن الطاعة أكثر مما يتقن التفكير.
كان يرى أن السؤال ليس خطيئة، وأن الشك ليس كفرا، وأن الحقيقة لا تخاف من النقاش.
ولهذا تحديدا، أصبح خطيرا.
فالسلطات التي تخشى الإنسان الحر، لا ترتعب من السلاح بقدر ما ترتعب من العقل المستيقظ.
الإنسان الذي يسأل: لماذا؟
ذلك السؤال الصغير الذي يبدو بريئا، كان عبر التاريخ أخطر من ألف معركة، لأنه يهز الأساسات التي تقوم عليها الطاعة العمياء.
وحين بدأ ابن رشد يشرح أرسطو، لم يكن يشرح فيلسوفا يونانيا فقط، بل كان يفتح نافذة كبيرة داخل عقل الإنسان المسلم، نافذة يدخل منها الهواء بعد قرون من الاختناق.
كان يقول، بطريقة غير مباشرة، إن الدين الذي يخاف من العقل يتحول إلى خوف، وإن المعرفة التي تمنع التأويل تتحول إلى صنم، وإن الأمة التي تحاصر التفكير تحكم على نفسها بالبقاء خارج التاريخ.
لكن المجتمعات المرهقة بالخوف لا تحب من يوقظها.
شيئا فشيئا، بدأت الهمسات تتحول إلى اتهامات، والاختلاف إلى خطر، والفلسفة إلى تهمة أخلاقية ودينية.
لم يعد الناس يناقشون أفكاره، بل صاروا يناقشون حقه في التفكير أصلا.
وهنا تبدأ دائما المأساة الحقيقية لأي حضارة:
حين يتحول السؤال من أداة معرفة إلى دليل إدانة.
ثم جاء اليوم الذي أحرقت فيه الكتب.
كانت النار تلتهم الورق، لكن الذين أشعلوها كانوا في الحقيقة يحاولون إحراق شيء أكبر بكثير:
حق الإنسان في أن يفكر خارج السائد.
كانوا يظنون أن الأفكار تموت بالنفي، وأن العقل يمكن عزله كما يعزل المجرمون، وأن التاريخ يمكن أن يسير إلى الخلف إذا صرخ الخائفون بصوت أعلى.
لكن التاريخ كان أكثر سخرية منهم.
فبينما كانت بعض العقول في الداخل تطارد الفلسفة باعتبارها رجسا، كانت أوروبا تفتح كتب ابن رشد بشغف، وتعيد اكتشاف الإنسان عبر شروحه.
الرجل الذي ضاقت به مدينته، صار معلما لقارات كاملة.
والفيلسوف الذي اتهموه بإفساد العقول، ساهم لاحقا في تحرير العقل الأوروبي من ظلمات طويلة.
وهكذا حدثت المفارقة الأكثر إيلاما في تاريخنا:
الأمة التي أنجبت ابن رشد خافت منه، بينما احتفى به الغرب باعتباره أحد الآباء الكبار للحداثة العقلية.
ومنذ ذلك الزمن، لم تتوقف الحكاية… فقط غيرت شكلها.
لم تعد الكتب تحرق في الساحات كما في العصور القديمة، لأن العالم الحديث اكتشف طرقا أكثر نعومة وأشد قسوة لقتل الأفكار.
صار بالإمكان اغتيال الفلسفة عبر السخرية منها، وتجفيف منابعها، وتحويل الجامعات إلى مصانع للشهادات لا للعقول، وتقديم الطاعة باعتبارها فضيلة مطلقة، بينما يصور التفكير النقدي وكأنه تهديد للاستقرار والأخلاق والدين.
صار الإنسان يتعلم كيف يكرر… لا كيف يفكر.
كيف يحفظ… لا كيف يناقش.
كيف يخاف من الخطأ… لا كيف يغامر في البحث عن الحقيقة.
حتى المؤسسات التي كان يفترض أن تكون حصونا للوعي، تحولت أحيانا إلى أبراج حراسة على العقل، تراقب الأسئلة أكثر مما تنتج المعرفة.
وأصبح بعض المثقفين أنفسهم يمارسون رقابة داخلية أشد قسوة من رقابة السلطات، لأن الخوف حين يسكن الروح، يجعل الإنسان سجانا لنفسه.
ولعل الكارثة الأكبر ليست في وجود من يعادي الفكر، فذلك قديم قدم التاريخ، بل في أن المجتمع نفسه يبدأ تدريجيا بفقدان قدرته على الشعور بالخطر.
حين تصبح السطحية ثقافة عامة، والضجيج بديلا عن التفكير، والتلقين بديلا عن الحوار، يصبح موت العقل حدثا عاديا لا يثير القلق.
هناك أمم تخسر الحروب ثم تنهض، وتنهار اقتصاديا ثم تتعافى، لكن الأمة التي تدخل في خصومة مع عقلها، تدفع ثمنا أفدح من كل الهزائم؛ لأنها تفقد القدرة على إنتاج المستقبل.
ولهذا لم يكن ابن رشد مجرد فيلسوف قديم، بل كان اختبارا أخلاقيا وحضاريا متجددا:
هل نملك الشجاعة لكي نفكر بحرية؟
هل نستطيع أن نؤمن بأن الإنسان لا يصبح إنسانا كاملا إلا حين يمتلك حق السؤال؟
هل نستوعب أن الإيمان الحقيقي لا يحتاج إلى إعدام العقل لكي يعيش؟
لقد انتصر ابن رشد بعد موته أكثر مما انتصر في حياته.
انتصر لأن الفكرة التي تدافع عن العقل لا تموت، حتى لو دفنت قرونا تحت الرماد.
وانهزم الذين حاربوه، لأن التاريخ لا يتذكر أسماء محرقي الكتب بقدر ما يتذكر أسماء الذين كتبوها.
ومع ذلك، فإن المعركة لم تنته بعد.
ففي كل عصر يظهر من يريد للإنسان أن يتوقف عن التفكير، لأن العقول الحرة تربك السلطات المغلقة، وتقلق تجار اليقين، وتفضح الذين يعيشون على استغلال الجهل والخوف.
وفي كل عصر أيضا، يولد أشخاص يشبهون ابن رشد، يدفعون ثمن السؤال عزلة وتشويها وإقصاء، فقط لأنهم رفضوا أن يعيشوا بعقل مستعار.
لهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي اليوم:
هل انتصر العقل؟
بل:
هل بقي فينا ما يكفي من الشجاعة لكي نحمي حق الإنسان في أن يفكر؟
لأن الحضارات لا تسقط حين يقل المال أو تضعف الجيوش فقط، بل تسقط يوم يتحول التفكير إلى خطر، والسؤال إلى جريمة، والطاعة إلى فضيلة أعلى من الحقيقة.
سلام على ابن رشد…
وعلى كل من سار ضد التيار حاملا مصباحه الصغير وسط هذا الليل الطويل.
سلام على أولئك الذين لم يساوموا عقولهم مقابل الطمأنينة، ولم يدفنوا أسئلتهم خوفا من العزلة، ولم يستبدلوا الحقيقة بالراحة.
وسلام على الفيلسوف…
ذلك الكائن الذي يطارَد دائما، لأنه يذكر الإنسان بحقيقته الأولى:
أنه خُلِق ليفكر… لا لينحني.