--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين سقط الستار عن الوطن .

Salah Kirata • ١٩‏/٢‏/٢٠٢٦


obra.jpg
حين سقط الستار عن الوطن :
في مدينةٍ كانت تُدعى يومًا “قلب البلاد”، لم يبقَ من القلب سوى نبضٍ متقطّع، كأن سوريا نفسها تتنفّس عبر أنابيب صدئة. الشوارع التي كانت تمتلئ بالموسيقى والضحكات، صارت ممراتٍ للظل، والبيوت التي كانت تُخرّج شعراء وفنانين، باتت تلد صمتًا وخوفًا.
كان سليم يمشي كل صباح بمحاذاة المسرح الوطني المهجور. يتوقّف أمام بابه الحديدي الصدئ، يتذكّر طفولته حين كان والده يأخذه إلى هناك ليشاهد مسرحيات تُشبه الوطن كما يجب أن يكون: مختلفًا، صاخبًا، حيًّا. اليوم، لم يبقَ من المسرح سوى ملصقات باهتة لوجوهٍ مألوفة… وجوهٌ كانت يومًا تحبّ الناس، ثم تعلّمت كيف تحبّ السلطة أكثر.
في تلك السنوات، حين جفّت الروح من صدور الناس، لم يَبقَ في المشهد الثقافي سوى أصواتٍ تُعيد ما يُقال لها. كانوا يسمّون أنفسهم نخبة، لكن سليم كان يراهم كومبارس في مسرحية طويلة، يتبدّلون في الأدوار ولا يتبدّل النص. يصفّقون حين يُؤمرون، يبكون حين يُطلب منهم البكاء، ويصمتون حين يُذبح المشهد خارج الكاميرا.
مات الأب ذات شتاء، ومعه مات وهم “الزمن المصحِّح”. جاء الابن إلى الحكم، فبدّل الديكور ولم يغيّر المسرحية. أزال الوجوه القديمة من شاشات التلفاز، واستبدلها بوجوهٍ أصغر سنًّا، أنعم بشرة، أكثر قابلية لوضع مساحيق الوطنية الجاهزة. فُتحت شركات إنتاج فجأة، وتحوّل بعض الفنانين إلى حرسٍ ثقافي جديد، يحملون بطاقات أمنية بدل النصوص، ويتحرّكون بسيارات فارهة أكثر ممّا يتحرّكون بأسئلة حقيقية.
كان سليم يعرف أحدهم. صديق طفولة، كان يحلم أن يكتب مسرحًا يفضح القبح. التقاه بعد سنوات في مطعم فخم، يتحدّث عن “ضرورة الاستقرار” و“حكمة الصمت”. يومها فهم سليم أن بعض الأحلام لا تموت… بل تُباع.
وحين اندلعت الثورة، لم يكن المشهد بحاجة إلى ممثّلين. الشوارع كتبت نصّها بنفسها: دم، هتاف، جنازات، وأمهات يصرخن بلا ميكروفونات. لكن “نخبة البلاط” وقفت خلف الكاميرا الرسمية، تبرّر القتل بالدراما، وتحوّل المأساة إلى مشهدٍ آخر من مسلسل طويل. كانوا يختبئون في الإضاءة، ويتحدّثون عن “الفتنة” فيما كانت المدينة تُدفن حيّة.
مرت السنوات ثقيلة كأبواب السجون. ثم جاء يومٌ مختلف. لم يكن إعلانًا رسميًا ولا بيانًا على شاشة، بل تغيّرًا في الهواء نفسه. شعر سليم أن المدينة تتنفّس للمرة الأولى دون إذن. الوجوه الملمّعة نُزِلت عن المنصّات، والمسرح الذي استُخدم طويلًا لتجميل القبح، غُسِل من التصفيق الكاذب.
في سوريا الجديدة، لم يعد الناس يبحثون عن نجوم. كانوا يبحثون عن بشر. عن أصوات لا ترتجف حين تقول الحقيقة، عن قلوب لم تتعلّم التمثيل، عن وجوه تحمل تعب البلاد لا مساحيقها. صار البكاء فعل مشاركة، لا عرضًا على خشبة. وصار الصمت تهمة، لا فضيلة.
عاد سليم إلى المسرح المهجور. دخل من بابٍ مخلوع، وقف في منتصف الخشبة المغبرة، وتخيّل أن الوطن نفسه يقف أمامه. لم يكن بحاجة إلى نصّ مكتوب. كان النصّ في صدره: عهدٌ جديد، أن لا يعود الفن قناعًا للسلطة، ولا الفنان بديلاً عن الضمير، ولا الخوف سيّد المعنى.
في الخارج، كانت المدينة تتعلّم المشي من جديد. بعض الذين مثّلوا دور الضمير قديمًا غادروا بصمت، يحملون معهم ما تبقّى من ديكور الكذب. لم يُطاردهم أحد، لكن لم ينتظرهم أحد أيضًا. الستار سقط، والتصفيق الذي اعتادوه صار صدى بعيدًا، لا يسمعه أحد.
في ذلك المساء، جلس سليم على درج المسرح، وكتب على ورقة صغيرة:
“الوطن الذي صبر نصف قرن… لن يسمح بعد اليوم أن يُمثَّل عليه.”
ثم طوى الورقة، ووضعها في جيبه، ومشى.
كان الطريق مظلمًا… لكن الضوء هذه المرة لم يكن على الخشبة،
كان في الناس.