--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تنهار الدول من داخلها قبل أن تُهزم في الخارج

Salah Kirata • ٥‏/٥‏/٢٠٢٦

29794.jpg

 حين تنهار الدول من داخلها قبل أن تُهزم في الخارج

ليست هزيمة الدولة في ساحة القتال هي اللحظة الأخطر في تاريخها، فالتاريخ مليء بدول خرجت من حروبها منهكة ثم عادت للحياة. الخطر الحقيقي يبدأ حين تواصل الدولة ادّعاء القوة بعد أن تكون قد فقدت معناها الداخلي، وحين تتحول مؤسساتها إلى واجهات صلبة تغطي فراغًا أخلاقيًا وروحيًا يتسع بصمت.

الدول لا تنتهي عادةً تحت وقع الغزو المباشر، بل في تلك اللحظة التي تبدأ فيها بفقدان قدرتها على فهم ذاتها. حين يصبح الإنجاز هدفًا في حد ذاته، لا وسيلة لحماية المجتمع، وحين تتحول السلطة إلى طقس يومي لإثبات الوجود بدل أن تكون أداة لإدارة الحياة. عندها فقط تبدأ علامات الانحدار الحقيقي، حتى وإن ظلّت الأعلام مرفوعة والخطابات عالية النبرة.

في كثير من التجارب التاريخية، لم يكن الانهيار نتيجة قوة عدو خارجي بقدر ما كان نتيجة تراكم داخلي طويل. روما مثلًا لم تسقط فجأة. لقد استمرت في التوسع والسيطرة، لكنها في الداخل كانت تفقد تدريجيًا روحها المدنية. عندما صار الانشغال بالمظاهر والترف والاستعراض أعمق من الالتزام بالمسؤولية العامة، بدأت الفجوة تتسع بين الدولة ومعناها الأول: خدمة المواطن وحماية الفكرة التي قامت عليها.

وفي بغداد، لم يكن التحدي الذي واجه الخلافة العباسية عسكريًا فقط. كانت الإمبراطورية في أوجها الإداري والعلمي، لكنها في مراحل متقدمة بدأت تفقد التوازن بين المعرفة والسلطة. حين يقترب المثقف من الحاكم أكثر مما يقترب من الحقيقة، ويتحول الفكر إلى تبرير بدل أن يكون مساءلة، تبدأ الدولة في فقدان قدرتها على التجدد الداخلي. وعندما جاء الغزو الخارجي، كان قد وجد جسدًا مثقلاً أكثر من كونه حيًا نابضًا.

أما الأندلس، فقد قدمت نموذجًا آخر للسقوط الداخلي. لم تكن المشكلة فقط في ضغط القوى الخارجية، بل في تشظي الداخل إلى كيانات متنافسة، حيث تحولت الخصومات السياسية إلى استدعاء الخارج ضد الداخل. في تلك اللحظة، تفقد الدولة أهم عناصر بقائها: وحدة المصير. وحين يصبح الخصم الداخلي أخطر من العدو الخارجي، تصبح الهزيمة مسألة وقت لا أكثر.

وفي العصر العثماني، لم يكن الانهيار مجرد نتيجة تفوق عسكري خارجي، بل نتيجة بطء في فهم التحولات الكبرى التي كان العالم يعيشها. مؤسسات قوية ظاهريًا، لكنها تتعامل بعقلية لم تعد قادرة على استيعاب سرعة التغيير السياسي والاقتصادي والفكري في العالم الحديث.

أما الاتحاد السوفييتي، فقد قدّم نموذجًا مختلفًا للسقوط. لم يسقط بسبب نقص في القوة العسكرية أو الموارد، بل بسبب تآكل العلاقة بين الدولة والمجتمع. عندما تفقد الدولة قدرتها على إقناع الناس بعدالة مشروعها، وتصبح الثقة متصدعة بين المواطن والنظام، تصبح القوة المادية غير كافية للحفاظ على الاستقرار. عندها تتحول الصلابة الظاهرة إلى هشاشة داخلية عميقة.

وفي الحاضر، يمكن ملاحظة أن قوة الدول الحديثة لم تعد تقاس فقط بقدرتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بمدى تماسكها الداخلي. فالدول الكبرى اليوم تمتلك من أدوات القوة ما لم يكن متاحًا في أي مرحلة تاريخية سابقة، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات داخلية معقدة: اتساع الفجوات الاجتماعية، تصاعد الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة. هذه العوامل لا تُسقط الدول فورًا، لكنها تضعف مناعتها على المدى الطويل.

حتى الدول التي تبدو في ذروة قوتها العسكرية والتكنولوجية ليست بمنأى عن هذا القانون التاريخي. فالقوة الخارجية لا تحمي من الانقسام الداخلي إذا لم تقترن بعدالة اجتماعية وشعور مشترك بالانتماء. عندما يشعر جزء من المجتمع أنه خارج المعادلة، يبدأ التصدع ببطء، حتى لو بدا غير مرئي في البداية.

وفي بعض النماذج المعاصرة في مناطق الصراع، يمكن ملاحظة أن الخطر لا يأتي فقط من الخارج، بل من تآكل داخلي في الثقة، ومن تحول العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى علاقة خوف بدل أن تكون علاقة شراكة. حين يصبح الخوف هو الرابط الأساسي، فإن أي ارتخاء فيه يكشف هشاشة البنية بأكملها.

الدول لا تنهار في لحظة واحدة، بل تتآكل عبر الزمن. تبدأ من القضاء حين يفقد استقلاله، ومن التعليم حين يفقد رسالته، ومن الإعلام حين يفقد صدقه، ومن النخبة حين تتحول من ضمير عام إلى طبقة مصالح. ثم يصل التآكل إلى المواطن الذي يتحول تدريجيًا من فاعل في الحياة العامة إلى متفرج عليها.

وفي نهاية هذا المسار، لا يكون الانهيار حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لسلسلة طويلة من التحولات الداخلية التي جرى تجاهلها أو تبريرها أو التعايش معها. عندها فقط، يأتي الخارج ليعلن ما كان قد حدث بالفعل في الداخل.

الدول التي تدرك هذا القانون التاريخي هي وحدها القادرة على الاستمرار. ليست القوة في تجنب الأخطاء، بل في القدرة على مراجعتها قبل أن تتحول إلى مصير. فالدولة التي تصغي لنقدها، وتحمي عدالتها، وتوازن بين سلطتها وحقوق مجتمعها، هي الدولة التي تملك فرصة حقيقية للاستمرار.

أما حين تفقد الدولة قدرتها على رؤية نفسها بوضوح، فإنها لا تحتاج إلى عدو كي تسقط. يكفيها أن تستمر كما هي.