
حين تقول لندن “لا” للحرب: خيبة أمل ترامب وحدود التحالف
لم تكن عبارة “خيبة الأمل” التي أطلقها الرئيس الأميركي تجاه موقف لندن مجرد تعبير عابر عن انزعاج دبلوماسي. ففي العلاقات الدولية، تختبئ خلف الكلمات المقتضبة إشارات أعمق، وغالباً ما تعكس توتراً صامتاً بين الحلفاء قبل أن تتحول إلى خلافات علنية. وهذا ما حدث عندما رفضت الحكومة البريطانية برئاسة المشاركة في الضربات العسكرية الأولى ضد .
القرار البريطاني لم يكن بسيطاً، ولا اتُّخذ على عجل. فداخل مؤسسات الحكم في دارت نقاشات مطوّلة حول المخاطر المحتملة لأي عمل عسكري ضد إيران، وحول ما إذا كانت الضربة المحدودة ستبقى محدودة فعلاً أم ستفتح باب مواجهة إقليمية أوسع. وفي النهاية اختارت لندن طريقاً وسطاً: رفض المشاركة المباشرة في العمليات الهجومية، مع الإبقاء على دعم دفاعي للحلفاء والسماح باستخدام بعض القواعد العسكرية البريطانية في إطار محدود يهدف إلى حماية القوات في المنطقة.
بهذا القرار حاولت بريطانيا تحقيق توازن صعب بين التزامين متناقضين: الحفاظ على تحالفها التاريخي مع من جهة، وتجنب الانجرار إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط من جهة أخرى.
غير أن هذا التوازن البريطاني لم يكن كافياً لإرضاء ترامب. فالرئيس الأميركي، الذي ينظر إلى التحالفات من زاوية الالتزام الواضح في لحظات المواجهة، رأى في الموقف البريطاني تراجعاً عن دعم الحليف التقليدي. ومن وجهة نظر واشنطن، فإن مواجهة خصم استراتيجي مثل إيران تتطلب وحدة كاملة في صف الحلفاء، لا مواقف رمادية أو دعمًا جزئياً.
لكن النظرة الأوروبية إلى الأزمة تختلف في جوهرها. فالعواصم الأوروبية، وفي مقدمتها لندن، تنظر إلى أي مواجهة عسكرية مع إيران باعتبارها مغامرة قد تشعل سلسلة أزمات إقليمية يصعب احتواؤها. فإيران ليست دولة معزولة يمكن ضربها ثم احتواء رد فعلها بسهولة، بل قوة إقليمية تمتلك أدوات نفوذ متعددة في محيطها، إضافة إلى موقعها الجغرافي الحساس على واحد من أهم ممرات الطاقة في العالم.
ولهذا فإن الحذر البريطاني لا يعكس بالضرورة ضعفاً في التحالف، بقدر ما يعكس قراءة مختلفة لكلفة الحرب. فالتجارب الحديثة – من العراق إلى أفغانستان – أثبتت أن الضربات العسكرية السريعة قد تتحول إلى حروب طويلة لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.
ومع ذلك، فإن الخلاف بين واشنطن ولندن لا يعني بالضرورة انهيار العلاقة التاريخية بينهما. فالعلاقة بين البلدين، التي ترسخت منذ الحرب العالمية الثانية، مرت بمحطات خلاف عديدة لكنها بقيت قائمة لأنها تقوم على شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية المشتركة.
غير أن ما تكشفه هذه الأزمة بوضوح هو حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: حتى أقرب الحلفاء لا يرون العالم بالطريقة نفسها. فالولايات المتحدة تميل إلى استخدام القوة العسكرية كأداة مباشرة لإعادة رسم التوازنات، بينما تميل أوروبا إلى الحذر خشية أن يؤدي التصعيد العسكري إلى فوضى إقليمية أوسع.
ومن هنا يمكن فهم خيبة أمل ترامب، كما يمكن فهم حذر لندن في الوقت نفسه. فالحرب مع إيران، إن بدأت، قد لا تبقى حرباً محدودة كما يتصور البعض.
وفي الشرق الأوسط، نادراً ما تسير الحروب وفق الخطط الموضوعة في غرف العمليات. وغالباً ما تتحول الضربة الأولى إلى بداية صراع مفتوح تتداخل فيه السياسة والجغرافيا والطاقة والممرات البحرية.
لهذا السبب ربما رأت لندن أن أفضل ما يمكن فعله في هذه اللحظة ليس الانضمام إلى الضربة الأولى، بل تجنب الخطوة الأولى نحو حرب قد لا يعرف أحد أين تنتهي. وفي عالم يزداد اضطراباً، قد يكون الامتناع عن الحرب أحياناً قراراً سياسياً لا يقل صعوبة – ولا أهمية – عن قرار خوضها.