--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتآكل رواية التفوق: إسرائيل وإيران في مرآة الاستنزاف الاستراتيجي

Salah Kirata • ٤‏/٤‏/٢٠٢٦

17118.png

 حين تتآكل رواية التفوق: إسرائيل وإيران في مرآة الاستنزاف الاستراتيجي.

في بعض لحظات التحول الكبرى في تاريخ الصراعات، لا يكون التحدي الحقيقي في ميدان المعركة وحده، بل في انهيار الصورة الذهنية التي بُنيت عبر عقود حول معنى القوة ومن يملكها. وعندما تبدأ التناقضات بالظهور داخل الخطاب الإسرائيلي نفسه، سواء عبر التحليلات النقدية أو التسريبات أو حتى المراجعات الصادرة عن دوائر كانت أقرب إلى مركز القرار، فإن ذلك لا يشير فقط إلى اختلاف في التقدير، بل إلى اهتزاز في الأساس الذي قامت عليه فكرة التفوق المطلق.

لقد تشكل الوعي الإسرائيلي منذ بداياته على سردية مركزية مفادها أن التفوق العسكري والتقني والاستخباري كفيل بحسم الصراعات بسرعة وحسم، وهو تصور تعزز بفعل حروب تقليدية سريعة النتائج، رسخت فكرة القدرة على فرض الإرادة في وقت قصير. غير أن هذا التصور لم يصمد طويلًا عندما انتقل الصراع إلى أشكال أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد الجبهات واضحة، ولا النتائج قابلة للقياس المباشر.

ومع التحول نحو حروب غير تقليدية، بدأت تظهر حدود هذا النموذج. فالتجارب التي خاضتها إسرائيل في بيئات مثل جنوب لبنان كشفت أن الخصم الذي يعتمد على التشتت، والمرونة، وتجنب المواجهة المباشرة، قادر على إرباك آلة عسكرية متقدمة دون أن ينهار بالمعايير التقليدية. عندها لم تعد المشكلة في القدرة على الإيذاء العسكري، بل في ترجمة ذلك الإيذاء إلى نتائج سياسية واضحة يمكن تقديمها كـ"نصر".

هذا التعقيد يتضاعف في الحالة الإيرانية، حيث لا تدور المواجهة في ساحة واحدة، بل في فضاء ممتد من الأدوات غير المباشرة: من النفوذ الإقليمي إلى الفعل السيبراني، ومن ساحات الوكلاء إلى الضغط السياسي غير المعلن. في مثل هذا النمط من الصراع، تفقد المفاهيم الكلاسيكية مثل الحسم أو الانتصار معناها التقليدي، وتتحول المواجهة إلى إدارة مستمرة للتوازنات والاستنزاف المتبادل.

في هذا السياق، تواجه الرواية الإسرائيلية تحديًا مزدوجًا: فهي مطالبة بإثبات قدرتها على الردع من جهة، وفي الوقت نفسه تفسير واقع لا يقدم نتائج نهائية واضحة من جهة أخرى. وهنا تبدأ الفجوة بالاتساع بين الخطاب المعلن والواقع الميداني، حيث تُضخّم النجاحات الجزئية أحيانًا، بينما يتم تجاوز التعقيدات أو تأجيل الاعتراف بها.

هذه الفجوة ليست جديدة في تاريخ الصراعات، ويمكن مقارنتها بحالات سابقة في حروب طويلة استنزفت القوى الكبرى، حيث استمرت السردية الرسمية في تقديم صورة متماسكة عن التقدم، بينما كان الواقع يميل تدريجيًا نحو التآكل البطيء للقدرة على الحسم. لكن ما يجعل الحالة أكثر حساسية اليوم هو سرعة تداول المعلومات وتعدد مصادرها، ما يجعل احتكار الرواية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

على المستوى العسكري، يكشف هذا النمط من المواجهة عن تحول عميق في طبيعة القوة نفسها. فالتفوق التقني، رغم أهميته، لم يعد عنصرًا كافيًا لحسم صراع متعدد الطبقات. الخصم الذي يمتلك القدرة على امتصاص الضربات، وإعادة التموضع، وتوزيع الضغط عبر ساحات مختلفة، يفرض نوعًا جديدًا من التوازن لا يعتمد على الانتصار التقليدي، بل على استدامة القدرة على الاستمرار.

أما على المستوى السياسي، فإن التحدي لا يقل تعقيدًا. فصانع القرار يجد نفسه أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على صورة القوة والهيبة، وفي الوقت ذاته التعامل مع واقع لا يسمح بالنتائج النهائية الواضحة. هذا التوتر غالبًا ما ينعكس في خطاب يميل إلى الانتقائية، يبرز النجاح ويخفف من وقع الإخفاق، ما يؤدي مع الوقت إلى تراكم فجوة إدراكية بين الدولة ومجتمعها.

والأخطر من ذلك أن هذه الفجوة، إذا اتسعت، قد تؤدي إلى إضعاف الثقة الداخلية بالخطاب الرسمي، وإلى تشوش في إدراك الواقع الاستراتيجي نفسه. فالمجتمع الذي يُقدَّم له الواقع من خلال عدسة غير مكتملة قد يجد نفسه لاحقًا أمام صدمة إدراكية عندما تتكشف حدود القوة الفعلية.

في المقابل، لا يعني ذلك التقليل من حجم القوة أو نفوذ الأطراف المعنية، بل الإشارة إلى أن طبيعة الصراع نفسها تغيرت. لم يعد الأمر يتعلق بتفوق طرف على آخر بشكل مباشر، بل بقدرة كل طرف على إدارة زمن الصراع، وتحمل كلفته، وإعادة إنتاج أدواته باستمرار دون انهيار.

وهنا تحديدًا تكمن خطورة الاستمرار في التمسك بسرديات حاسمة لا تتناسب مع طبيعة الواقع. فحين تصبح الرواية أهم من الوقائع، يتحول الخطاب من أداة تفسير إلى عبء إضافي على الفهم واتخاذ القرار.

إن الصراع بين إسرائيل وإيران، في جوهره الأعمق، لم يعد مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية تقليدية، بل أصبح اختبارًا لمفهوم القوة ذاته: هل القوة هي القدرة على الحسم السريع، أم القدرة على إدارة صراع طويل ومعقد دون انهيار؟

في النهاية، اللحظة التي تبدأ فيها الأسئلة بالتراكم داخل بنية السردية ليست مجرد لحظة نقد، بل علامة على دخول مرحلة جديدة من الصراع، حيث لا يكفي امتلاك القوة، بل يصبح فهم حدودها جزءًا من معادلة البقاء نفسها.