--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتحوّل الجريمة إلى رافعة للاستبداد في سورية

Salah Kirata • ١٨‏/٢‏/٢٠٢٦

7a2a08462a36f3718896738d76850d41.jpg

إلى من يختزلون المأساة السورية في شعارات متخشّبة ورغبة عمياء بالانتقام :
سأقولها بلا مواربة: لو افترضنا – جدلًا – أن حافظ الأسد كان مهندس الهجوم على كلية المدفعية في الميدان، وقدّم له كل أشكال الدعم غير المباشر من غضّ طرف وتسهيل، لما كانت نتائج تلك المجزرة ستصبّ في مصلحته كما صبّت بالفعل، فالجريمة لم تُضعِف سلطته؛ بل كانت الرافعة التاريخية التي منحت مشروع الاستبداد دفعته الأكبر...
بعد تلك الواقعة، حصل الأسد على ( ضوء أخضر ) داخليًا ليتفرد بالحكم ويُعطّل عمليًا مؤتمرات الحزب القطرية والقومية، ويحوّل الحزب – على رؤوس الأشهاد – إلى مديرية علاقات عامة وإعلام تتبع القصر الجمهوري، وربما كان تابعا مباشرة ( لأبو سليم )، وبالمناسبة الرجل ( سني ) ومن دير عطية بريف دمشق...
 وفي هذا السياق، جرى تسويق سرديات لتبرير التحوّلات، في حين أن الوقائع تؤكد أن مسألة الانتماء الطائفي لم تكن هي العامل الحاسم قبل تلك اللحظة الفاصلة، أو بشكل مباشر لم تكن تعلن على رؤوس الأشهاد وبشكل فاقع يحمل روح الاستفزاز والتحدي...
ثم أتاحت المجزرة الذريعة الأخطر والتي تجسدت : 
بإعادة هندسة الجيش، بحيث تحوّل ( جيش الوطن ) إلى ( جيش النظام ) تمهيدا ليكون كمحصلة ( جيش الأسرة المغتصبة) كما لاحظنا في عقد ونصف من السنوات العجاف، وصار يُسمّى علنًا ( جيش الأسد ) وفي نشرة ١ / ١/ ١٩٨٠ جرى تسريح آلاف الضباط من المكوّن السني بذريعة ( اهتزاز الثقة ) وهي ذريعة تأسّست مناخيًا بعد مجزرة كلية المدفعية، منذ تلك اللحظة، صار التحاق الضابط السني بدورة الركن شيء صعب المنال أما تجاوز رتبة عقيد التي كانت تمنح تلقائيا فحالة تميز تدعو الاعتزاز بثقة القائد...
هكذا اكتمل تفكيك المهنية داخل المؤسسة العسكرية، وتثبيت الولاء العائلي - الأمني معيارًا للترقّي والبقاء...
ولم تتوقف النتائج عند الجيش والحزب، لقد فتحت المجزرة الطريق لسلسلة المجازر اللاحقة كـ ( جسر الشغور، معرّة النعمان، حماة، سجن تدمر، المشارقة في حلب ) ، وغيرها كثير، فقد صارت النظام يتحرك بمنطق ( العقاب الجماعي )  وأُعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة قهر وردع لا سياسة وتمثيل...
وما زاد الطين بلّة أن هذه اللحظة التأسيسية للاستبداد سهّلت لاحقًا توريث الحكم داخل الأسرة، فبعد وفاة باسل الذي كان يُهيّأ للرئاسة، نُقل الحكم إلى الوريث التالي رغم كل ما قيل عن اضطرابه وارتباكه، لتُفتَح بذلك بوابة زمن طويل من تدمير الدولة والمجتمع معًا...
ثم جاءت النتيجة الأبعد مدى والتي تجسدت :
 بانسداد الأفق المدني الديمقراطي وصولًا إلى تمكين قوى جهادية من الإمساك بأجزاء من السلطة من دون أي شرعية شعبية حقيقية، بما أجهز على آخر بارقة أمل بحكم مدني جامع، بهذا المعنى، لم تكن مجزرة كلية المدفعية ( ضربة للنظام )كما يُروَّج؛ بل كانت الوقود الذي غذّى تمدّد الاستبداد والعسكرة والطائفية والتطرّف،ومن حيث الأثر السياسي الواقعي، يمكن القول إن منفّذي تلك الجريمة خدموا مشروع السلطة أكثر مما خدمه كبار رموزها الأمنية والعسكرية؛ فالجريمة منحت النظام الذريعة الذهبية لإعادة ترتيب الدولة على مقاسه، وكل القوة والرسوخ اللذين حصلهما النظام لاحقًا استندا إلى تلك اللحظة الدموية التي دشّنت مرحلة جديدة من الحكم الأمني المفتوح...
كما أن الطائفية، بوصفها أداة حكم وخطابًا عامًا، لم تستشرِ وتُعلَن على رؤوس الأشهاد إلا بعد تلك المجزرة، فقبلها كما يقال في مثل هذه الأحوال ( كانت بالعين قشاية )، فقد كانت بنية الحزب والجيش – بكل عيوبها – تُظهر توازنات نسبية في مواقع القيادة والتدريب، بما فيها أسماء ضباط وقادة ومدرّبين من مكوّنات مختلفة، وكان الحزب يحكم بمعنى الكلمة، ولم يكن الأسد قادرًا على تجاوز قرارات القيادة كما صار لاحقًا...
-  ما الذي تغيّر؟..
تغيّرت القاعدة التأسيسية للحكم بعد المجزرة، فمن سياسة داخل حزب ودولة، إلى أمن مُطلق يعلو على كل مؤسسات...
الخلاصة التي لا مفرّ منها :
 الجريمة التي تُقدَّم لبعضهم بوصفها ( فعلاً ثوريًا ) كانت – في ميزان التاريخ والنتائج – أعظم خدمة قُدّمت لمشروع الاستبداد. ومن لا يرى علاقة السبب بالنتيجة هنا، يهرب من الوقائع إلى وهمٍ مريح، بينما سورية دفعت الثمن دولةً ومجتمعًا ومستقبلًا.