--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتحول العدالة إلى امتياز سياسي:

Salah Kirata • ٢٨‏/٤‏/٢٠٢٦

27738.png

حين تتحول العدالة إلى امتياز سياسي:

في كل المراحل الانتقالية التي أعقبت الحروب والانهيارات الكبرى، لم يكن السؤال الحقيقي هو عدد المتهمين الذين جلسوا في قفص المحكمة، بل نوع العدالة التي أُريد تأسيسها. فالمحاكمات، مهما بدت لامعة في الإعلام، لا تعني شيئاً إذا كانت تُدار بمنطق الانتقاء لا بمنطق القانون، وإذا كانت تستهدف الحلقة الأضعف وتترك أصحاب القرار الحقيقيين خارج دائرة المساءلة.

ما يجري اليوم في سوريا يضع هذا السؤال في قلب المشهد. فمحاكمة بعض الأسماء المرتبطة بسنوات القمع الدموي قد تمنح انطباعاً أولياً بأن البلاد دخلت أخيراً في مسار العدالة الانتقالية، لكن هذا الانطباع يبقى هشاً ما دام السوريون يشعرون بأن العدالة تُوزَّع وفق موازين القوة لا وفق معايير الحق.

العدالة الانتقالية ليست حفلاً سياسياً لإعلان نهاية مرحلة، وليست أداة لتجميل صورة سلطة جديدة أمام الداخل والخارج. هي منظومة قانونية وأخلاقية هدفها الأساسي إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترميم ما دمرته سنوات الاستبداد والحرب. وهذه الغاية لا تتحقق بمحاكمة بعض الموظفين التنفيذيين وحدهم، بينما يُعاد إنتاج الحصانة لفاعلين آخرين مارسوا القتل والتهجير والانتهاكات نفسها تحت شعارات مختلفة.

من منظور القانون الدولي، لا توجد جريمة تصبح أقل فظاعة لأن مرتكبها انتصر سياسياً. جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني لا تسقط بتبدل السلطة، ولا تُمحى بتغير الخطاب السياسي. المسؤولية الجنائية الفردية لا ترتبط بالصفة الحالية للشخص، بل بالفعل المرتكب، وبالأدلة التي تثبت هذا الفعل.

لهذا فإن أي حديث عن بناء دولة قانون في سوريا يفقد معناه إذا اقتصر على محاسبة رموز النظام السابق وحدهم، بينما تُمنح شرعية سياسية وعسكرية لأطراف أخرى يحيط بها سجل واسع من الاتهامات والانتهاكات الموثقة. فالقانون لا يعرف مفهوم “مجرمنا ومجرمهم”، ولا يعترف بفكرة أن بعض الدماء تستحق العدالة أكثر من غيرها.

المعضلة الأخطر أن العدالة الانتقائية لا تكتفي بإفلات بعض الجناة من العقاب، بل تؤسس لمرحلة جديدة من الانقسام الأهلي. عندما يشعر الضحايا أن العدالة تُستخدم ضدهم أو باسمهم بشكل انتقائي، فإن المحكمة تتحول من مؤسسة إنصاف إلى أداة انتقام سياسي، وتفقد الدولة الناشئة شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد شرعيتها القانونية.

التجارب الدولية تقدم دروساً واضحة في هذا المجال. في رواندا ويوغوسلافيا السابقة وجنوب أفريقيا، لم تكن العدالة سهلة ولا كاملة، لكنها اكتسبت مشروعيتها لأنها سعت، ولو بحدود متفاوتة، إلى مبدأ الشمول وعدم حصر المسؤولية في طرف واحد فقط. أما حين تتحول المحاكم إلى أدوات المنتصر، فإنها لا تصنع سلاماً دائماً، بل تؤجل انفجاراً جديداً.

في الحالة السورية، تبدو المخاوف أكبر لأن المجتمع نفسه ما يزال يعيش على خطوط تماس طائفية ومناطقية وعرقية شديدة الحساسية. وأي شعور بأن هناك حماية سياسية لمرتكبي الانتهاكات في الساحل أو السويداء أو الشمال السوري أو غيرها، سيعني ببساطة أن الدولة الجديدة لا تؤسس لعقد وطني جامع، بل تعيد إنتاج منظومة الخوف نفسها بوجوه مختلفة.

العدالة الحقيقية لا تبدأ من السؤال: من نريد أن نحاكم؟ بل من سؤال أكثر صعوبة: هل نحن مستعدون لمحاكمة الجميع؟ هل تقبل السلطة الجديدة أن تخضع هي نفسها لمعيار المساءلة؟ هل تقبل أن يكون القانون أعلى من الشرعية العسكرية، وأعلى من المكاسب السياسية، وأعلى من تحالفات اللحظة؟

هنا فقط يُختبر صدق المرحلة الانتقالية. فإما أن تكون العدالة شاملة، حتى لو كانت بطيئة ومؤلمة، وإما أن تتحول إلى مجرد أداة لإعادة ترتيب السلطة تحت اسم جديد.

السوريون لا يحتاجون إلى محاكمات استعراضية تُبث على الشاشات، ولا إلى صناعة أبطال جدد من بين أمراء الحرب. ما يحتاجونه هو يقين بسيط وعميق: أن الدم السوري لا يُقسَّم بحسب الهوية، وأن الجريمة لا تُغتفر لأنها ارتُكبت تحت راية مختلفة.

فالعدالة التي تُمنح كامتياز سياسي ليست عدالة، بل شكل آخر من أشكال العنف المؤجل. وعندما يصبح القانون خادماً للغلبة، لا حَكَماً بينها، فإن الدولة لا تولد، بل يُعاد فقط تدوير الخراب.