
حين تتحول “الأكثرية” إلى عقلية غلبة: سورية بين الدولة المدنية ووهم العدد.
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الدول الخارجة من الحرب والانقسام، لا تكون المعركة الحقيقية على السلطة وحدها، بل على شكل الوعي الذي سيحكم المستقبل: هل نبني دولة مواطنة، أم نعيد إنتاج منطق الغلبة؟
في السياق السوري، برزت خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد التحولات السياسية العاصفة التي شهدتها البلاد، أصوات ورؤى تتعامل مع المجتمع ككتل صماء، لا كمواطنين أفراد متساوين أمام القانون. بعض هذه الرؤى تنظر إلى سوريا من زاوية “العدد” و”الأكثرية الديمغرافية”، وكأن السياسة مجرد حسابات حسابية تُحسم تلقائياً في صناديق الاقتراع، دون اعتبار لتعقيدات الاجتماع السوري، وتاريخه، وتنوعه، وذاكرته المثقلة.
هذه النظرة، في جوهرها، ليست سياسية بقدر ما هي إعادة إنتاج لعقلية قديمة: عقلية الغلبة. عقلية تعتبر أن امتلاك الأكثرية العددية يبرر امتلاك الحقيقة، واحتكار التمثيل، وإلغاء الآخر المختلف في الرأي أو التوجه أو حتى التصور لسوريا المستقبل. وهي عقلية خطيرة، لأنها لا تقف عند حدود الاختلاف السياسي المشروع، بل تميل – في لحظات الانفعال – إلى تحويل الخصم إلى نقيض، وإلى تحميله صفات الإقصاء والتشويه.
لكن الدولة الحديثة لا تُبنى بهذا المنطق. فالديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل منظومة كاملة من القيم: المواطنة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وفصل الانتماءات الأولية (الدينية أو المذهبية أو القومية) عن المجال السياسي العام. الأكثرية في الدولة الديمقراطية ليست “عدداً ثابتاً” ينتمي إلى فئة بعينها، بل هي أكثرية سياسية متحركة، تتشكل عبر البرامج، والتحالفات، والمصالح العامة، وقد تضم في لحظة ما مواطنين من كل الخلفيات والانتماءات.
إن اختزال سوريا إلى معادلة عددية هو تجاهل خطير لطبيعة المجتمع السوري نفسه، الذي لم يكن يوماً كتلة واحدة متجانسة، بل نسيجاً معقداً من الانتماءات والتجارب والتاريخ الاجتماعي والاقتصادي. وما أثبتته التجارب القاسية خلال العقد الماضي، أن أي محاولة لإدارة هذا التنوع بمنطق الإلغاء أو التفوق العددي، لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام والتآكل الداخلي.
المشكلة ليست في “الأكثرية” بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى أداة سياسية مطلقة، وإلى ذريعة لاحتكار التمثيل أو إقصاء الآخر. فحين تتحول السياسة إلى امتداد للهوية الضيقة، تفقد الدولة معناها، ويصبح المواطن مجرد تابع لهوية مسبقة، لا شريكاً في صياغة المستقبل.
سوريا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى الخروج من أسر هذه العقلية. بحاجة إلى أن يُعاد تعريف السياسة فيها على أساس المواطنة لا الانتماء الأولي، وعلى أساس البرامج لا الانطباعات، وعلى أساس القانون لا الشعور بالتفوق العددي أو التاريخي.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً كي يكتشفوا أن لا أحد يملك البلاد وحده، وأن لا طائفة ولا جهة ولا أكثرية عددية تستطيع أن تبني دولة مستقرة وحدها. الدولة تُبنى حين يصبح المواطن مواطناً، لا ممثلاً لهوية مغلقة، وحين يصبح الاختلاف مصدر قوة لا ذريعة للإلغاء.
وفي النهاية، لا خلاص لسوريا إلا حين نغادر جميعاً منطق الغلبة، إلى منطق الشراكة. من منطق “نحن وهم”، إلى منطق “نحن جميعاً في وطن واحد، أو لا وطن”.