
حين تتحول الهفوة إلى نمط تفكير
ليس في البشر من ينجو تمامًا من لحظات التسرّع أو ضعف التقدير أو سوء الحكم؛ فذلك جزء من طبيعة الإنسان، وشرط من شروط التجربة نفسها. غير أن الفارق الحقيقي لا يكمن في وقوع الخطأ، بل في طريقة التعامل معه: هل يُنظر إليه كاستثناء عابر، أم يُسمح له بأن يتحول إلى طريقة دائمة في رؤية العالم واتخاذ المواقف؟
في الحياة العامة كما في التفاصيل الصغيرة، تظهر أحيانًا أنماط من التفكير لا تتطور مع الزمن، بل تتصلّب. تبدأ من موقف غير محسوب، أو قناعة ناقصة، أو قراءة متعجلة للواقع، ثم ما تلبث أن تتحول إلى عدسة ثابتة يُعاد عبرها تفسير كل شيء. ومع الوقت، لا يعود الخطأ مجرد خطأ، بل يصبح مرجعية داخلية تُنتج أخطاء جديدة بشكل متسلسل.
المشكلة ليست في وقوع الإنسان في التباس أو تقدير غير دقيق؛ فهذا أمر مألوف في التجربة البشرية. الإشكال الحقيقي حين يغيب التوقف عند المراجعة، وحين تُستبدل القدرة على النقد الذاتي بإصرار على تثبيت التصورات الأولى مهما تعارضت مع الواقع. عندها لا يعود التفكير وسيلة للفهم، بل وسيلة لتبرير ما تم اعتناقه مسبقًا.
وفي مثل هذه الحالات، لا تكون المعرفة هي ما يحدد الموقف، بل الانطباع الأول. ولا يعود التراجع عن الخطأ فضيلة، بل يُنظر إليه كتهديد لصورة الذات. وهنا يبدأ الانزلاق من اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ، إلى حالة من الجمود الذهني التي تُعيد إنتاج نفسها باستمرار.
إن أخطر ما في الأمر أن هذا النمط لا يقتصر على الأفراد، بل يمكن أن يتسرب إلى البيئات الاجتماعية والمؤسساتية، حيث تتحول بعض المسلمات غير الممتحنة إلى ما يشبه القواعد غير المكتوبة. ومع الوقت، يصبح من الصعب التمييز بين ما هو معرفة حقيقية، وما هو مجرد تكرار مطمئن لأفكار لم تُختبر بما يكفي.
ومع ذلك، تبقى هناك دائمًا مساحة ممكنة للمراجعة. فالعقل لا يُقاس بقدر ما يخطئ، بل بقدر ما يملك من شجاعة الاعتراف بالخطأ وتجاوزه. والإنسان لا يُختزل في لحظة ضعف، بل في قدرته على ألا يجعل من تلك اللحظة مسارًا دائمًا.
في النهاية، الفارق الدقيق والحاسم ليس بين من يخطئ ومن لا يخطئ، بل بين من يمرّ بالخطأ، ومن يقيم فيه.