--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتحول الهزيمة إلى سلوك: تشريح نموذج مأزوم بين السلطة والذات

Salah Kirata • ٣‏/٥‏/٢٠٢٦

24099.jpg

 حين تتحول الهزيمة إلى سلوك: تشريح نموذج مأزوم بين السلطة والذات

ليست كل الهزائم تُقاس بلحظة السقوط، ولا كل الانكسارات تبدأ عند النهاية. هناك نماذج بشرية تعيش هزيمتها قبل أن تقع، وتُراكم فشلها في العمق، حتى إذا جاءت لحظة الاختبار، لم يكن لديها ما تسقطه سوى وهمٍ كانت تتكئ عليه.

في الحالة السورية، يمكن رصد نموذج تشكّل عبر عقود داخل بنية مغلقة، اعتمدت على فكرة “الحماية” بوصفها بديلاً عن الفعل، وعلى الولاء بوصفه بديلاً عن الوعي، وعلى الخوف بوصفه آلية تنظيم للعلاقة مع الذات والآخر. هذا النموذج لم يُمنح فرصة حقيقية ليكون فاعلًا مستقلًا، بل جرى تدريبه طويلًا على التبعية، حتى باتت جزءًا من تكوينه النفسي، لا مجرد خيار سياسي.

حين تُبنى العلاقة مع الدولة بوصفها ملاذًا مطلقًا، ومع السلطة بوصفها مصدر معنى وهوية، يصبح انهيار هذه المنظومة أشبه بانهيار داخلي شامل. لا يعود الأمر متعلقًا بفقدان نظام سياسي، بل بفقدان الإطار الذي كان يمنح الفرد تعريفه لنفسه. هنا تظهر أعراض معقدة: إنكار للواقع، تشبث بأوهام الماضي، وتناقض صارخ بين ما يُقال في العلن وما يُخشى الاعتراف به في السر.

الأزمة الأعمق لا تكمن فقط في العجز عن المواجهة، بل في إعادة توجيه هذا العجز نحو الداخل. حين يعجز الفرد عن مواجهة مصدر التهديد الحقيقي، يبحث عن بدائل أضعف يفرغ فيها توتره وغضبه. وغالبًا ما تكون النساء أول ضحايا هذا الانحراف؛ إذ تتحول إلى ساحة لإثبات سلطة مفقودة، أو لتعويض شعور دفين بالعجز. هنا، لا يعود الخطاب أخلاقيًا أو اجتماعيًا، بل يصبح انعكاسًا لخلل عميق في بنية الوعي.

هذا السلوك ليس طارئًا، بل هو نتيجة تراكم طويل من القمع وإعادة تشكيل الوعي. حين يُمنع الإنسان من التعبير الحر، ومن بناء استقلاله النفسي والفكري، فإنه يتعلم—بشكل غير واعٍ—أن يتكيف مع القيد بدل أن يرفضه. ومع الزمن، يتحول هذا التكيف إلى قناعة، بل إلى ما يشبه “الحكمة” التي يدافع عنها.

المشكلة أن هذا النموذج، حين يُختبر، لا ينتج مقاومة حقيقية، ولا يبني سردية بديلة، ولا يملك القدرة على إعادة تعريف ذاته خارج الإطار الذي نشأ فيه. بل يدخل في حالة من الانشطار: جزء منه يدرك الحقيقة، وجزء آخر يرفضها بشدة، فيعيش تناقضًا دائمًا بين ما يعرفه وما يعلنه.

في مثل هذه الحالات، لا يكون التحدي سياسيًا فقط، بل وجوديًا وأخلاقيًا. كيف يمكن استعادة المعنى بعد أن جرى ربطه طويلًا بمصدر واحد؟ كيف يمكن إعادة بناء الكرامة حين كانت مشروطة بالولاء؟ وكيف يمكن حماية القيم، حين تصبح أول ما يُضحّى به تحت ضغط الخوف؟

المجتمعات لا تنهار فقط حين تُهزم عسكريًا أو سياسيًا، بل حين تفقد قدرتها على النقد الذاتي، وعلى إنتاج نماذج جديدة تتجاوز أخطاء الماضي. وما لم يحدث هذا التحول، فإن الهزيمة تستمر، حتى لو تغيّرت الظروف.

في النهاية، ليست القضية في إدانة نموذج بقدر ما هي في فهمه. لأن ما لا يُفهم، يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة. وما لم تُكسر الحلقة التي تربط الخوف بالهوية، والتبعية بالبقاء، فإن أي محاولة للنهوض ستبقى ناقصة، ومهددة بالانهيار من الداخل قبل الخارج.