
حين تتحول الكهرباء من خدمة عامة إلى عقوبة جماعية:
تسعيرٌ فوق طاقة مجتمعٍ مُنهك؟!.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
قرار رفع سعر الكيلوواط/ساعة إلى مستويات خيالية ليس مجرد إجراء اقتصادي قاسٍ، بل هو لحظة سياسية وأخلاقية كاشفة، تُسقط كل الادعاءات التي رُوِّجت عن “دولة في طور الإصلاح” أو “حكومة انتقالية جاءت لتخفيف المعاناة لا تعميقها”،ما جرى هو ببساطة:
هو تحميل مجتمع منهك أصلاً، مفلس فعلياً، ومنهار الدخل، كلفة خدمة لا يملك القدرة على دفعها حتى في حدودها الدنيا السابقة، فكيف إذا قفزت إلى أرقام لا تمتّ إلى الواقع بصلة...
لا تحتاج الحكومة إلى كثير ذكاء لتدرك الحقيقة البديهية:
الغالبية الساحقة من السوريين اليوم لا تتجاوز دخولهم الشهرية سقف البقاء البيولوجي، لا سقف العيش الكريم، ومع ذلك قررت أن تُسعّر الكهرباء وكأنها تُباع في اقتصاد سويسري أو خليجي، لا في بلد أنهكته سنوات الحرب والانهيار النقدي وتآكل الأجور، هذا ليس “إصلاحاً” ولا “ترشيداً”، بل هو قفزة فوق الواقع، ثم إنكار لوجود الواقع نفسه...
المفارقة الفاضحة أن الحكومة التي تقول إنها حلّت أزمة الكهرباء، ولا كأنها أنها هي نفسها التي أعادت تعريف الأزمة بطريقة أكثر قسوة، فبدل أن تكون المشكلة في ساعات التقنين، أصبحت المشكلة في “حق الاستخدام نفسه”، فالمواطن لم يعد يسأل:
- متى تأتي الكهرباء؟..
بل صار يسأل:
- هل يمكنني أصلاً أن أفتح القاطع دون أن أرتكب فعلاً مالياً انتحارياً؟..
بهذا القرار، لم تعد الدولة طرفاً راعياً ولا حتى منظماً، بل تحولت إلى جهة تسعير فوقية تتعامل مع المجتمع بمنطق تجاري فجّ، وكأنها تقول للناس: إن لم تستطيعوا الدفع، فعيشوا في الظلام، هذا ليس مفهوم الدولة، بل تفكيك لمفهوم الدولة نفسه...
والأخطر من السعر ليس الرقم بحد ذاته، بل الرسالة السياسية التي يحملها: انفصال كامل عن القدرة المعيشية للناس، عندما تُسعِّر خدمة أساسية بهذا الشكل، فأنت لا “تخطئ في الحساب”، بل تعلن أنك لم تعد ترى المواطن كطرف يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أصلاً، هنا تتحول السياسة من إدارة واقع إلى إدارة ظهر للواقع.
الحديث عن “الذكاء الإداري” أو “الجرأة في الإصلاح” يبدو هنا نوعاً من التجميل اللغوي لقرار أقرب إلى الصدمة العمياء منه إلى أي رؤية اقتصادية، لأن أي إصلاح حقيقي يبدأ من سؤال بسيط:
- هل يستطيع الناس أن يتحملوا؟..
أما تجاهل هذا السؤال، فهو ليس شجاعة بل استخفاف.
والنتيجة كانت متوقعة قبل أن تظهر الفواتير الأولى:
تقنين ذاتي قاسٍ من قبل المواطنين، ليس اقتصاداً في الاستهلاك بل تقليص قسري للحياة اليومية نفسها، أجهزة تُطفأ، حاجات تُؤجل، وضرورات تتحول إلى كماليات، الدولة تقول إنها رفعت كفاءة التوزيع، بينما الواقع يقول إنها رفعت درجة العجز إلى مستوى جديد تماماً...
إن أخطر ما في هذا القرار ليس أنه قاسٍ، بل أنه منفصل عن الحسّ الاجتماعي، وكأن من اتخذه ينظر إلى المجتمع كأرقام جامدة في جدول، لا كأسر وأطفال ومرضى وطلاب، وهذه هي اللحظة التي تسقط فيها فكرة “الدولة الراعية” بالكامل، عندما تصبح السياسات مجرد عمليات حسابية بلا اعتبار للقدرة البشرية على الاحتمال.
في النهاية، ليس في الأمر “شطارة” كما قد يُراد تسويقه، بل اختلال واضح في فهم وظيفة السلطة نفسها، السلطة التي لا تقيس قراراتها بميزان القدرة الاجتماعية، تتحول تدريجياً من إدارة حياة الناس إلى إدارة أزماتهم، ثم إلى إنتاج أزمات جديدة باسم الحلول...
وما لم يُدرك صانع القرار أن الكهرباء ليست سلعة رفاهية بل شرط حياة يومية، وأن تسعيرها بهذا الشكل في سياق انهيار اقتصادي هو ضرب مباشر للاستقرار الاجتماعي، فإن النتيجة لن تكون “إصلاح القطاع الكهربائي”، بل تعميق ظلامه… وتوسيعه من الشبكة إلى المجتمع نفسه.