--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتحول المهلة إلى سلاح: الاقتصاد الخفي خلف تهديدات الحرب

Salah Kirata • ٧‏/٤‏/٢٠٢٦

19261.png

حين تتحول المهلة إلى سلاح: الاقتصاد الخفي خلف تهديدات الحرب.

في عالم السياسة الدولية المعاصر، لم تعد لحظات التصعيد تُقرأ فقط باعتبارها مقدمات لاحتمال مواجهة عسكرية أو أدوات ضغط دبلوماسي، بل باتت تحمل أبعاداً أوسع تتقاطع فيها اعتبارات الاقتصاد مع حسابات القوة. ومن هذا المنظور يمكن فهم الإنذارات السياسية، مثل تلك التي وُجّهت تجاه إيران في سياق سياسات إدارة ترامب، بوصفها جزءاً من بنية مركبة تتجاوز فكرة الردع التقليدي إلى إدارة دقيقة لتوقعات الأسواق وتحريكها.

فمنطق “المهلة” الذي يُمنح قبل أي تصعيد لم يعد مجرد مساحة زمنية للتراجع أو التفاوض، بل تحول إلى عنصر فاعل في هندسة السلوك الاقتصادي العالمي. إذ إن هذه الفترات القصيرة من الترقب تُعيد تشكيل قرارات المستثمرين، وتدفع المؤسسات المالية الكبرى إلى إعادة توزيع استثماراتها وفق سيناريوهات محتملة، حتى قبل وقوع أي حدث فعلي. وهنا تصبح السياسة نفسها مولّداً لحالة من التوقع، والتوقع بدوره يصبح قوة اقتصادية لا تقل تأثيراً عن الوقائع.

هذا النمط من إدارة الأزمات يعكس خصوصية في التفكير السياسي القائم على استثمار الزمن باعتباره أداة ضغط. فمجرد الإعلان عن احتمالية تصعيد، أو التلويح بإجراءات تمس ممرات الطاقة العالمية، كفيل بإحداث اهتزازات فورية في أسواق النفط والعملات والأسهم. ولا يتطلب الأمر وقوع الفعل ذاته، بل يكفي أن يُفتح باب الاحتمال حتى تبدأ دورة المضاربة والتحوط وإعادة التسعير.

وتكمن خطورة هذا النهج في أنه يحوّل الجغرافيا السياسية الحساسة، مثل الممرات البحرية الاستراتيجية، إلى أدوات ضمن لعبة التأثير الاقتصادي العالمي. فمجرد الإشارة إلى اضطراب محتمل في تدفق الطاقة يكفي لإطلاق موجات من القلق في الأسواق، وهو ما ينعكس على أسعار الطاقة وسلوك الشركات الكبرى وحتى السياسات النقدية للدول.

في هذا السياق، تلعب المؤسسات المالية الضخمة دوراً محورياً في قراءة هذه الإشارات واستثمارها. فهي لا تنتظر تحقق السيناريوهات، بل تبني قراراتها على احتمالاتها، مستفيدة من فترات الغموض التي تسبق الأحداث الكبرى. وهكذا تصبح “فترة الترقب” بحد ذاتها فرصة اقتصادية تُدار فيها مليارات الدولارات عبر التحوط والمضاربة وإعادة التموضع.

ومن هنا يمكن فهم التحول الأعمق في طبيعة العلاقة بين السياسة والاقتصاد، حيث لم تعد القرارات السياسية منفصلة عن تأثيراتها السوقية، بل أصبحت مرتبطة بها بشكل مباشر. فالتهديدات العسكرية أو السياسية باتت تنتج آثاراً اقتصادية فورية، وفي بعض الحالات تبدو وكأنها جزء من دورة مالية عالمية تُدار بعناية بقدر ما تُدار باعتبارات الأمن القومي.

إن هذا التشابك يطرح سؤالاً مركزياً حول طبيعة الفاعل الحقيقي في النظام الدولي: هل ما زالت السياسة تقود الاقتصاد، أم أن الأسواق أصبحت طرفاً قادراً على توجيه القرار السياسي أو على الأقل التأثير في توقيته وشدته؟ فحالة التداخل بين النخب السياسية والاقتصادية، ووجود شخصيات تنقلت بين المجالين، جعلت الحدود بين المصلحتين أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

ولا يمكن إغفال الدور المتزايد للإعلام في تضخيم هذه الديناميكية. فالتغطية المستمرة للتصريحات والإنذارات تسهم في تعزيز حالة الترقب العام، وهو ما ينعكس مباشرة على سلوك الأسواق. وهكذا يتحول الإعلام إلى وسيط فعّال في نقل الإشارات وتكبير أثرها، سواء بقصد أو دون قصد.

أما في ما يتعلق بالدول المستهدفة بهذه الضغوط، فإنها تجد نفسها أمام معادلة معقدة. فهي مطالبة بالرد على التهديدات لحماية مصالحها وكرامتها السياسية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الانجرار إلى تصعيد مفتوح قد يخدم أطرافاً أخرى اقتصادياً وسياسياً. لذلك غالباً ما تختار هذه الدول مساراً حذراً يقوم على ضبط الردود ضمن حدود تمنع الانفجار الشامل دون أن تُظهر ضعفاً استراتيجياً.

في المحصلة، تكشف هذه الظاهرة عن تحول عميق في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد المواجهة تُدار فقط عبر القوة الصلبة، بل أصبحت تُصاغ أيضاً داخل غرف التداول المالي ومنصات الاقتصاد العالمي. وأصبح التهديد نفسه أداة إنتاج للنفوذ، لا مجرد خطوة نحو الحرب أو السلام.

وهكذا، فإن أخطر ما في هذه المعادلة ليس وقوع المواجهة، بل استمرار حالة الاحتمال المفتوح لها، لأن هذا التعليق الدائم بين السلم والحرب يخلق بيئة مثالية لحركة رؤوس الأموال، ويحول التوتر السياسي إلى مورد اقتصادي مستمر لبعض الفاعلين.

في النهاية، يمكن القول إن ما يبدو في ظاهره مجرد إنذار سياسي، قد يكون في عمقه جزءاً من منظومة أوسع تُدار فيها العلاقات الدولية بمنطق مزدوج: منطق القوة ومنطق السوق في آن واحد، حيث تصبح المهلة أداة تأثير، ويصبح الغموض نفسه أحد أهم موارد الربح في النظام العالمي المعاصر.