
حين تتحول الساحة اللبنانية إلى مرآة لصراع الظلال:
إسرائيل، سورية، ووثائق تُعيد رسم الصورة.
تكشف وثائق بريطانية، كما أوردت “اندبندنت عربية”، جانبًا مهمًا من مشهد بالغ التعقيد: كيف كانت إسرائيل تراقب بدقة متناهية النفوذ السوري في لبنان خلال حقبة حافظ الأسد. لكن ما يبدو للوهلة الأولى مجرد أرشيف استخباراتي بارد، يتجاوز ذلك ليكشف عن بنية صراع أعمق من مجرد مراقبة عسكرية أو أمنية؛ إنه صراع على القرار، وعلى التأثير، وعلى تعريف من يملك حق رسم مستقبل المشرق.
في تلك الحقبة، لم يكن لبنان ساحة داخلية مستقلة بالمعنى الكامل للكلمة. كان مسرحًا مفتوحًا تتقاطع فيه مشاريع إقليمية كبرى، وعلى رأسها المشروع السوري الذي نظر إلى لبنان باعتباره عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط به. في المقابل، كانت إسرائيل ترى في أي تمدد سوري داخل لبنان تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، لا سيما مع تصاعد دور دمشق بعد حرب 1973، وتزايد حضورها السياسي والعسكري في الساحة اللبنانية.
الوثائق البريطانية التي أُعيد قراءتها اليوم، لا تقدم فقط معلومات عن “ماذا حدث”، بل تضيء على “كيف كان يُفكَّر” داخل دوائر القرار الإسرائيلية. فإسرائيل لم تكن تتعامل مع الوجود السوري في لبنان كحدث طارئ، بل كتحول استراتيجي يتطلب متابعة دقيقة، وتحليلًا مستمرًا، وربما استعدادًا لمواجهات طويلة الأمد. هذا يعني أن الصراع لم يكن مجرد ردود أفعال، بل كان إدارة متبادلة للتوقعات، حيث تراقب كل جهة الأخرى، وتحسب خطواتها بناءً على ما تراه وتفهمه.
لكن الأهم من ذلك أن هذه الوثائق تعيد طرح سؤال جوهري: هل كانت إسرائيل تراقب سوريا في لبنان فقط، أم كانت تراقب “منطق القوة” نفسه في المنطقة؟ فحضور سوريا في لبنان لم يكن مجرد تدخل عسكري، بل كان امتدادًا لفلسفة أمنية ترى أن الساحة اللبنانية جزء من منظومة إقليمية متكاملة، لا يمكن فصلها عن الصراع العربي-الإسرائيلي الأوسع.
في المقابل، تكشف هذه المعطيات أيضًا أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري، كانت تدرك أن أي قرار سوري في لبنان لا يمكن التعامل معه باستخفاف. بل إن حجم المتابعة والدقة في التحليل يشيران إلى إدراك عميق بأن لبنان لم يكن مجرد ساحة هامشية، بل نقطة تماس حيوية قد تعيد تشكيل التوازنات في أي لحظة.
وإذا كانت الوثائق البريطانية قد كشفت جانبًا من هذا المشهد، فإنها في الوقت ذاته تطرح تحديًا أمام قراء التاريخ: ألا وهو ضرورة التحرر من الروايات المبسطة. فالتاريخ هنا ليس خطًا مستقيمًا بين طرفين، بل شبكة معقدة من المصالح، والقلق المتبادل، والحسابات الدقيقة التي لا تُقال كلها في العلن.
في النهاية، ما تكشفه هذه الوثائق ليس مجرد “معلومة جديدة”، بل تأكيد على حقيقة قديمة: أن لبنان لم يكن يومًا مجرد بلد صغير على الخريطة، بل كان دائمًا ساحة اختبار لإرادات أكبر من حدوده. وبين مراقبة إسرائيل، وحضور سوريا، ظل السؤال الحقيقي معلقًا: من يراقب من؟ ومن يصنع المعادلة في النهاية؟
ربما لا تقدم الوثائق جوابًا نهائيًا، لكنها تفتح الباب واسعًا لإعادة قراءة مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة، مرحلة لم تُكتب بعد بكل تفاصيلها، وما زالت ظلالها حاضرة حتى اليوم.
ملاحظة:
اقسم بالله العظيم أنا شخصيا كنت قد تجاوز كل مارافق صعوده لأعلى هرم السلطة من خلال ماوصف بالحركة التصحيحية، تناسيت البلاغ ٦٦ وخلال حكمه لم أقف عند القمع والاستبداد، ربما أسرتها أنها طبيعة سورية والسوريين ولابد من حسم وحزم لفرض الاستقرار للوصول الأمن والأمان، لكن بعد أن أوجه التوريث راجعت حساباتي وعرفت من هو رخيص، وأقصد حافظ الأسد.