--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تتحول الذاكرة إلى ساحة تصفية

Salah Kirata • ١٠‏/٣‏/٢٠٢٦

9821.jpg

حين تتحول الذاكرة إلى ساحة تصفية:

ليست مشكلة الشعوب مع الأنظمة التي تسقط فقط، بل مع الطريقة التي يُعاد بها تشكيل الذاكرة بعد سقوطها. فالتاريخ ليس لوحة يمكن تبديل أسمائها بسهولة، ولا دفتر حضور يمكن شطب بعض الأسماء منه ثم الادعاء أن الصفحة أصبحت أنقى. ما يجري اليوم من حملة لتغيير أسماء المدارس في سوريا يكشف عن خلل عميق في فهم الفرق بين رموز الدولة ورموز الوطن، وبين من خدموا نظامًا سياسيًا عابرًا وبين من تركوا أثرًا في الثقافة والفكر والنضال الوطني.

السلطة الانتقالية برئاسة تبدو وكأنها تخوض معركة مع الذاكرة، لا مع إرث الاستبداد. فبدل أن تتجه الجهود إلى بناء سردية وطنية جامعة، يجري التعامل مع التاريخ بمنطق الاجتثاث الشامل. كل اسم يذكّر بمرحلة سابقة يُنظر إليه باعتباره جزءًا من النظام الذي سقط، حتى لو كان صاحبه أديبًا أو مفكرًا أو مناضلًا وطنيًا لا علاقة له ببنية السلطة الأمنية أو الحزبية.

هذا المنهج يكشف إما عن نزعة انتقامية تعمي البصيرة، أو عن فقر معرفي يجعل من الصعب التمييز بين رجل ثقافة وضابط أمن، وبين كاتبٍ ساهم في تشكيل الوعي السوري وبين مسؤولٍ كان جزءًا من آلة السلطة.

خذوا مثلًا ، أحد أبرز رواد النهضة الفكرية في سوريا ومؤسس . هل يمكن اختزال إرثه في سياق سياسي ضيق؟ هل يتحول مؤرخ وأديب كرّس حياته للغة العربية والثقافة إلى اسم يجب محوه فقط لأن المناخ السياسي تغيّر؟

وماذا عن ، أو ، المفكر والمترجم الذي فتح أمام القارئ العربي أبواب الأدب الروسي ونقل أعمال و إلى العربية؟ هل يصبح مترجمٌ أسهم في تشكيل الوعي الثقافي العربي جزءًا من جهاز أمني في مخيلة من يكتبون القرارات اليوم؟

ثم هناك أسماء ارتبطت بالتضحية الوطنية، مثل الذي سقط في مواجهة مع إسرائيل خلال المواجهات التي خاضها السوريون على جبهات متعددة. هل تُمحى ذكراه لأن بعض المسؤولين الجدد يخلطون بين التاريخ العسكري الوطني وبين الصراع السياسي الداخلي؟

إن المشكلة في هذه القرارات أنها تتعامل مع التاريخ وكأنه ملك للسلطة القائمة. لكنها في الحقيقة تكشف العكس تمامًا: التاريخ لا يُمحى بقرار إداري، والذاكرة الوطنية لا تُختزل في لافتة مدرسة.

لقد شهدت دول كثيرة تحولات سياسية حادة، من بعد سقوط النازية إلى دول بعد انهيار الشيوعية. ومع ذلك، لم تلجأ هذه المجتمعات إلى محو كل ما سبقها، بل حاولت التمييز بين ما هو جزء من آلة القمع وبين ما ينتمي إلى التراث الوطني والثقافي.

أما في الحالة السورية، فيبدو أن بعض القائمين على القرار يخلطون بين الدولة والنظام، وبين الثقافة والسياسة، وبين التاريخ والدعاية.

والمفارقة أن هذا السلوك يشبه إلى حد بعيد ما كانت تفعله الأنظمة التي تُتَّهم اليوم بممارسة الإقصاء. فحين يصبح تغيير الأسماء وسيلة لإعادة كتابة التاريخ وفق مزاج السلطة، فإننا لا نكون أمام قطيعة مع الماضي بقدر ما نكون أمام تكرار لأساليبه، وإن اختلفت الشعارات.

إن الأمم التي تحترم نفسها لا تمحو ذاكرتها، بل تناقشها وتفككها وتعيد قراءتها. أما محاولات الشطب السريع فهي غالبًا علامة على ضعف الثقة بالتاريخ، لا على قوة المشروع الجديد.

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست على أسماء المدارس، بل على معنى الوطن نفسه. هل هو ملك لمرحلة سياسية عابرة، أم هو تراكم طويل من الفكر والثقافة والتضحيات التي صنعها السوريون على اختلاف انتماءاتهم؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إن كانت سوريا تتجه نحو بناء ذاكرة وطنية جامعة، أم نحو ذاكرة انتقائية تُكتب بالحبر السياسي ثم تُمحى عند أول تغيير جديد في السلطة.