
حين تتحول “الثورة” إلى غريزة افتراس...
سقوط القناع وانكشاف المشروع:
ليست المشكلة في رأي عابر كتبه شخص غاضب أو مأزوم، بل في بنية فكرية كاملة تتسلل من بين السطور، وتفضح نفسها دون عناء، ما كُتب لم يكن زلة قلم، بل بياناً صريحاً لعقلية إقصائية، مريضة، ترى في الوطن غنيمة، وفي البشر مراتب، وفي الدم وسيلة مشروعة للصعود.
حين يتحدث "مشروع انسان الذي لم يكتمل" عن "ثورته" فهو لا يتحدث عن ثورة بالمعنى الإنساني أو الوطني، بل عن فعل غلبة، عن اجتياح، عن لحظة انتصار بدائي يُقاس فيها كل شيء بمنطق "من غلب حكم"، وهنا تسقط كل الأقنعة:
( لا حرية، لا كرامة، لا دولة، بل شريعة الغاب بلباس أيديولوجي رثّ)...
أن يزعم أن ما يسميه "ثورته" قد هزم "النظام ومعه الأقليات" فهذه ليست فقط وقاحة سياسية، بل اعتراف فجّ بجوهر المشروع:
إلغاء الآخر، لا التعايش معه؛ سحقه، لا مشاركته؛ شطبه من المعادلة الوطنية، لا إدماجه فيها، هذه ليست ثورة، بل نزعة اجتثاث، لا تختلف في جوهرها عن أكثر الأنظمة استبداداً، بل ربما تفوقها انحطاطاً لأنها تتخفى خلف شعارات زائفة...
الأخطر من ذلك هو نبرة الاستعلاء الفجّة، التي تتعامل مع سورية وكأنها ملكية خاصة، وكأنها مزرعة حصرية لمن يوافقه في تفسيره الضيق للدين، هنا لا يعود الحديث عن خلاف سياسي أو حتى أيديولوجي، بل عن عقلية عبودية صريحة: شعبٌ يُختزل إلى أتباع، ومواطنون يُختزلون إلى "أقنان" ووطن يُختزل إلى إقطاعية...
هذه ليست مجرد مشكلة أخلاقية، بل عطب فكري عميق، من يرى نفسه وصياً على الناس، وحاكماً على إيمانهم، ومخولاً بتحديد من يستحق العيش ومن لا يستحق، هو ببساطة خارج أي مفهوم حديث للدولة أو المجتمع. هو ينتمي إلى زمن الغزوات، لا إلى زمن الأوطان...
هذه الذهنية هي أقرب لسلوك الضباع، وهذا ليس شتيمة بقدر ما هو توصيف دقيق: كائنات تعيش على الافتراس الجماعي، تتغذى على الفوضى، وتزدهر في غياب القانون، لا تبني، لا تنتج، لا تعرف معنى الدولة أو المؤسسات، بل تعرف فقط كيف تقتسم الجثة...
وإذا كان يظن أن "الغلبة" تمنحه شرعية، فهو واهم. فالتاريخ مليء بالغالبين الذين انتهوا إلى مزابل التاريخ، لأن الغلبة بلا شرعية أخلاقية وسياسية ليست إلا مرحلة عابرة، سرعان ما تنقلب على أصحابها. لا يُبنى وطن بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق الشراكة والاعتراف المتبادل...
سورية ليست وقفاً لأحد، ولا حكراً على طائفة، ولا جائزة حرب تُوزع على المنتصرين، سورية، بكل مكوناتها، أكبر من هذا العقل القاصر، وأعمق من هذه الرؤية الضيقة، ومن لا يرى فيها إلا "مزرعة" له ولأمثاله، فهو ببساطة لا يرى سوريا، بل يرى انعكاس جهله في مرآة مشوهة...
لذا أرى أن الرد على هذا الخطاب لا يكون بالمجاملة، بل بكشفه وتعريته: هذا ليس مشروع تحرير، بل مشروع استبدال طغيان بآخر؛ ليس ثورة، بل انتكاسة؛ وليس مستقبلاً، بل عودة سحيقة إلى قاع التاريخ...
وما يُقال بوضوح يجب أن يُرد عليه بوضوح أشد:
من يفكر بهذه الطريقة، لا يشكل خطراً على خصومه فقط، بل على أي إمكانية لقيام وطن. لأنه ببساطة، لا يؤمن بالوطن أصلاً.