
حين تُختزل الدولة في طائفة… وتُخفى السلطة في شبكة:
حين يُطرح السؤال: هل كانت الطائفة العلوية هي طائفة السلطة في سورية، أم أن ما يمكن تسميته مجازًا بـ"طائفة الأسد" هو الذي حكم واحتكر؟ فإننا لا نكون أمام نقاش نظري بارد، بل أمام واحدة من أعقد العقد التي تشكّلت عبر عقود من التاريخ السوري، حيث تداخل السياسي بالمذهبي، واختلط الخوف بالولاء، وتماهت السلطة مع الهوية.
منذ عام 1970، مع صعود حافظ الأسد إلى الحكم، لم يكن ما جرى مجرد انتقال سياسي تقليدي، بل تأسيس بنية حكم متكاملة أعادت تعريف الدولة ذاتها. دولة تتقدم فيها الأجهزة الأمنية على السياسة، ويُقدَّم الولاء على الكفاءة، ويُصاغ فيها الاستقرار بوصفه مرادفًا للصمت. ومع مرور الزمن، تركزت مفاصل القوة الصلبة — الجيش والأجهزة الحساسة — في نطاق ضيق، يغلب عليه الطابع العلوي، لا بوصفه خيارًا أيديولوجيًا معلنًا، بل باعتباره شبكة ثقة مغلقة، تتشكل من دوائر عائلية ومناطقية شديدة الترابط.
هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنها أيضًا ليست الحقيقة كاملة.
فالقول إن "الطائفة العلوية حكمت سورية" يفترض ضمنًا وجود إرادة جمعية لطائفة دينية قررت السيطرة على الدولة، وهذا لم يحدث. لم تكن الطائفة يومًا كيانًا سياسيًا موحدًا، ولا اجتمعت لتتخذ قرارًا بالحكم. كانت، كغيرها من مكونات المجتمع السوري، فضاءً اجتماعيًا متنوعًا: فيه الفقير والميسور، الموالي والمعارض، المستفيد والمهمّش. بل إن كثيرين من أبنائها دفعوا أثمانًا باهظة، سواء في السجون أو في هوامش الإقصاء، فيما بقيت مناطق واسعة من الساحل تعاني ظروفًا معيشية صعبة، بعيدة عن مراكز القرار والثروة.
ما حكم سورية فعليًا لم يكن "الطائفة" بوصفها جماعة، بل منظومة مغلقة تقودها عائلة، وتحيط بها شبكة ولاءات متشابكة.
ومع انتقال السلطة إلى بشار الأسد عام 2000، لم يتغير جوهر هذه البنية. استمرت المنظومة ذاتها: دائرة ضيقة من الثقة، ترتكز على الأجهزة الأمنية، وتتقاطع مع شبكة مصالح اقتصادية واسعة. داخل هذه الشبكة وُجد علويون، نعم، لكن وُجد أيضًا سنة ومسيحيون ودروز وإسماعيليون. في الواجهة، بدت الدولة متعددة التمثيل: حكومة، برلمان، حزب، وطبقة رجال أعمال من خلفيات متنوعة. أما في العمق، فبقي القلب الأمني صلبًا، مغلقًا، لا يُخترق إلا بشروط الولاء.
هنا تبرز أهمية التعبير المجازي: "طائفة الأسد".
ليس المقصود به مذهبًا، بل توصيف لبنية: شبكة تقوم على الولاء الشخصي، والارتباط الأمني، وتبادل المصالح، والحماية المتبادلة. من يدخلها يصبح جزءًا من نظامها، بغض النظر عن انتمائه الديني. ومن يخرج منها يفقد الغطاء، أيًا كانت طائفته. إنها طائفة بالمعنى الوظيفي، لا العقدي؛ رابطة سلطة، لا رابطة عقيدة.
في هذا السياق، لم تكن الطائفية مشروعًا فكريًا مُعلنًا بقدر ما كانت أداة ضمن أدوات الحكم. آلية لضمان الثقة في لحظات القلق، ووسيلة للتحصين حين يتصاعد الخطر. كان النظام، حين يشعر بالتهديد، يعود إلى دائرته الأكثر التصاقًا به، وحين يطمئن، يوسّع شبكة المنتفعين. إنها براغماتية سلطة، لا عقيدة طائفة.
لكن المأساة الكبرى أن سنوات القمع الطويلة، ثم الانفجار بعد عام 2011، دفعت الخطاب العام نحو اختزال مخلّ. لوّح النظام بورقة "حماية الأقليات"، فيما انزلق بعض خصومه إلى خطاب طائفي مضاد. وبين هذا وذاك، وُضع ملايين السوريين داخل معادلة قاسية: إما أن تكون مع السلطة، أو ضد طائفتك.
هكذا، ترسخت صورة مبسطة ومضللة، تختزل عقودًا من التاريخ في ثنائية مذهبية ضيقة. لكن الدول لا تنهار لأن طائفة قررت ذلك، بل لأنها أغلقت السياسة، وأقصت المجتمع، وحوّلت المؤسسات إلى أدوات ولاء. الاستبداد، في جوهره، يبحث عن سند اجتماعي يحتمي به، لكنه يظل استبدادًا، مهما تلون بلبوس الهوية.
من هنا، فإن تحميل المسؤولية لجماعة دينية كاملة ليس فقط تبسيطًا مخلًا، بل ظلم جديد يُضاف إلى سجل المآسي. وفي المقابل، فإن إنكار البعد الحساس في تركيبة النظام الأمنية هو أيضًا إنكار للواقع. الحقيقة لا تقف عند أحد الطرفين، بل تمتد في المسافة بينهما.
لقد حكمت سورية منظومة عائلية – أمنية – اقتصادية، استخدمت الانتماء الطائفي كأحد ضماناتها، لكنها لم تختزل نفسها فيه. وسّعت شبكتها لتضم منتفعين من مختلف المكونات، وبنت نظامًا معقدًا يصعب تفكيكه بخطاب تبسيطي.
والتمييز هنا ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. لأن الخلط بين الطائفة والسلطة يعمّق الشروخ، بينما فهم السلطة بوصفها شبكة مصالح مغلقة يفتح الباب لتحليل أدق، وربما لمستقبل أقل انقسامًا.
لم تكن الطائفة العلوية "طائفة السلطة" بالمعنى الجمعي، ولم تكن السلطة مجرد عنوان مذهبي. كان هناك نظام، ونظام طويل العمر، حين يندمج في الدولة، يُربك الحدود بين المجتمع والسلطة، ويُنتج أوهامًا يصعب تفكيكها.
لكن التاريخ، حين يُقرأ بهدوء، يعيد الأمور إلى نصابها:
الذنب سياسي قبل أن يكون مذهبيًا،
ومسؤولية الاستبداد تقع على من صنعه وأداره،
لا على جماعة وُلدت داخل حدوده.