--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تُكذِّب الجغرافيا السياسة: لماذا قال البارزاني «لا» لترامب

Salah Kirata • ٩‏/٣‏/٢٠٢٦

9657.jpg

حين تُكذِّب الجغرافيا السياسة: لماذا قال البارزاني «لا» لترامب؟

في الشرق الأوسط، كثيراً ما تُصنع الأخبار في التصريحات، لكن الوقائع الحقيقية تُصنع في الجغرافيا. ولهذا تبدو الرواية التي تحدثت عن اتصال الرئيس الأميركي السابق بالزعيم الكردي العراقي مثالاً واضحاً على الفارق بين ما يُقال علناً وما يمكن أن يحدث فعلاً على الأرض.

فالرواية التي خرجت إلى الإعلام تقول إن ترامب تحدث عن استعداد الأكراد للقتال تحت قيادة أميركية في مواجهة إيران، لكنه هو من رفض ذلك. غير أن ما يتردد في أوساط كردية مختلفة يروي قصة أخرى تماماً: طلب أميركي بفتح جبهة كردية انطلاقاً من إقليم كردستان باتجاه غرب إيران، يقابله رفض واضح من البارزاني، الذي اختار أن يقول «لا» لعرض قد يبدو مغرياً للبعض، لكنه في الحقيقة يحمل مخاطر استراتيجية هائلة.

لفهم هذا الموقف لا بد من العودة إلى الحقيقة الأساسية في المسألة الكردية: الأكراد ليسوا جزيرة جغرافية معزولة يمكن تحريكها في لعبة الأمم متى شاءت القوى الكبرى. إنهم موزعون بين أربع دول رئيسية هي و و و، وكل خطوة يقوم بها أي طرف كردي في دولة ما ترتد أصداؤها مباشرة على الدول الأخرى.

في حالة إقليم كردستان العراق تحديداً، تبدو الحسابات أكثر تعقيداً. فالإقليم يعيش في مساحة سياسية حساسة بين بغداد وطهران وأنقرة وواشنطن. وإيران ليست مجرد دولة مجاورة؛ إنها لاعب أساسي في المعادلة العراقية، وتملك نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل العراق نفسه. لذلك فإن فتح جبهة عسكرية ضدها انطلاقاً من أراضي الإقليم لن يكون مغامرة عسكرية فقط، بل مقامرة سياسية قد تطيح بكل ما بناه الأكراد خلال عقود.

من هنا يمكن فهم موقف البارزاني. فالرجل، الذي يعد أحد أبرز المرجعيات السياسية للأكراد في العراق، يعرف أن الإقليم لم يصل إلى ما هو عليه اليوم إلا عبر سياسة توازن دقيقة بين القوى الكبرى في المنطقة. تجربة الاستفتاء على الاستقلال عام 2017 وما تبعها من ضغوط إقليمية قاسية ما زالت حاضرة في الذاكرة الكردية، وقد أثبتت يومها أن الجغرافيا أقوى من الشعارات.

كما أن القيادة الكردية تدرك أن أي نشاط عسكري ضد إيران انطلاقاً من الإقليم سيحوّل كردستان فوراً إلى ساحة مواجهة. وطهران لم تتردد في السنوات الماضية في قصف مواقع لجماعات كردية إيرانية معارضة داخل الأراضي العراقية، وهو ما يعني أن أي تصعيد جديد قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة.

أما من زاوية واشنطن، فإن التفكير في استخدام الورقة الكردية ضد إيران ليس جديداً. فالقوى الكبرى اعتادت تاريخياً النظر إلى المسألة الكردية باعتبارها ورقة ضغط جيوسياسية يمكن تحريكها عند الحاجة. وجود فصائل كردية إيرانية معارضة قرب الحدود مع إيران يوفر، نظرياً على الأقل، إمكانية فتح جبهة إزعاج لطهران أو استنزاف محدود لقواتها.

لكن هذه الورقة لها حدود واضحة. فالأكراد تعلموا من تجارب طويلة أن القوى الكبرى قد تستخدمهم في لحظة صراع، ثم تتركهم يواجهون وحدهم نتائج ذلك الصراع. لذلك أصبح الحذر جزءاً من العقيدة السياسية الكردية، خصوصاً لدى القيادات التي خبرت تعقيدات المنطقة.

من هذه الزاوية يمكن قراءة تصريحات ترامب أيضاً. فقد تكون رسالة سياسية موجهة إلى طهران لإظهار أن واشنطن تمتلك خيارات ضغط متعددة، وقد تكون مناورة إعلامية في إطار أسلوبه المعروف في الخطاب السياسي، أو مجرد محاولة لجس نبض حلفاء محتملين في المنطقة.

لكن ما يبدو واضحاً أن تحويل الأكراد إلى رأس حربة في مواجهة مباشرة مع إيران ليس أمراً سهلاً. فالجغرافيا السياسية للإقليم، وتشابك علاقاته مع بغداد وطهران وأنقرة، تجعل من الصعب جداً الانخراط في مغامرة عسكرية بهذا الحجم.

ولهذا فإن القصة في جوهرها ليست مجرد اختلاف في الروايات بين ترامب والبارزاني. إنها تذكير قديم بحقيقة يعرفها كل من عمل في السياسة أو الاستخبارات في هذه المنطقة: في الشرق الأوسط يمكن للسياسة أن تقول أي شيء، لكن الجغرافيا هي التي تقول الكلمة الأخيرة.

ولهذا قال البارزاني ببساطة ما لا تستطيع كثير من العواصم قوله: لا.
ليس رفضاً لتحالف أو صداقة، بل حفاظاً على حقيقة يعرفها أهل المنطقة جيداً: بعض الحروب تبدأ بطلب بسيط في اتصال هاتفي، لكنها قد تنتهي بضياع وطن كامل.