
حين تُمسّ روح سورية:
اللعب بالنار تحت غطاء القرارات الإدارية...
ليست المسألة قرارًا إداريًا عابرًا يمكن تبريره أو تجاوزه، بل هي علامة مقلقة على مسارٍ خطير يُعاد من خلاله تشكيل المجتمع السوري على أسس ضيقة، تُناقض جوهره التاريخي، وتضرب في عمق هويته الجامعة...
ما طُرح بشأن حصر بيع واستهلاك الكحول في أحياء بعينها، بحجة تاريخية أو اجتماعية، لا يمكن قراءته إلا كخطوة تحمل في طياتها دلالات إقصائية واضحة، فالمشكلة لا تكمن في “الكحول” بحد ذاته، بل في المنطق الذي يقف خلف هذا القرار، منطق التصنيف، والعزل، وإعادة تعريف المجتمعات وفق قوالب نمطية خطيرة...
دمشق، التي لم تكن يومًا مدينة طوائف مغلقة، تُدفع اليوم – بوعي أو دون وعي – نحو إعادة ترسيم حدود اجتماعية لم تعرفها عبر تاريخها الطويل. باب توما وباب شرقي ليسا “مناطق كحول”، بل فضاءات حضارية ضاربة في عمق الزمن، تشهد على قرون من التعايش الإنساني، حيث لم يكن الدين يومًا معيارًا للفرز، ولا ذريعة للوصم...
الخطورة الحقيقية في هذا القرار أنه لا يقف عند حدّ التنظيم، بل يفتح الباب أمام إعادة هندسة المجتمع تدريجيًا، تحت عناوين ظاهرها إداري وباطنها أيديولوجي، وهنا تكمن الإشكالية، ففي الوقت الذي تبدأ به السلطة – أي سلطة – بالتدخل في أنماط الحياة، وتغليف ذلك بخطاب أخلاقي أو ديني، فإنها عمليًا تؤسس لمرحلة جديدة من الوصاية، لا تختلف في جوهرها عن أشكال القهر الأخرى...
إن فرض نمط ثقافي أو ديني بعينه، ولو بالتدرج، هو شكل من أشكال الإكراه الناعم، الذي سرعان ما يتحول إلى واقع مفروض، وهذه ليست مجرد فرضية، بل تجربة شهدتها مجتمعات عديدة، حيث بدأت الأمور بقرارات “تنظيمية”، وانتهت بإعادة تشكيل كامل للهوية العامة...
إلا أن الأخطر من ذلك هو:
أن هذا المسار لا يُضعف فقط الفئة المستهدفة، بل يُفكك المجتمع ككل، لأن اللعب على وتر الدين ولو كان هذا غير معلنا، واستخدامه بشكل غير صريح لايعني أنه ليس أداة وضيعة وغبية للتصنيف، وهذا سيُنتج بالضرورة ردود فعل مضادة، ويُغذي مشاعر القلق، وربما الخوف، لدى مكونات أساسية في النسيج السوري...
وهنا انصب من نفسي رجالا عاماً سورياً، وتحمل المسؤولية كاملة للحكومة الانتقالية السورية والشخص السيد الرئيس، فلو لم يكن محافظ دمشق مسنودا، لما أصدر هكذا قرار، ليس هذا فقط، بل لو لم تكن الحكومة موافقة وعلى رأسها السيد الرئيس لألغت هذا القرار الفئوي والفتنوي وباختصار اقول للكل:
(إن السير في هذا الاتجاه هو لعب بالنار)...
فسورية بتاريخها وتركيبتها، لا تحتمل مشاريع أحادية، ولا يمكن إخضاعها لقوالب جاهزة، لقد بُنيت هذه البلاد على التعدد، لا على الإقصاء، وعلى التفاعل، لا على العزل، وأي محاولة لفرض هوية واحدة بالقوة – مهما كانت مبرراتها – ستقود حتمًا إلى نتائج لا تُحمد عقباها...
المسيحيون في سورية ليسوا “حالة خاصة”، ولا “استثناءً” يحتاج إلى تنظيم مختلف، بل هم جزء أصيل من هذا الوطن، أسهموا في بنائه، ثقافيًا وتعليميًا واجتماعيًا، تمامًا كما أسهم غيرهم، ومحاولة اختزالهم في صورة نمطية، أو ربطهم بسلوك معين، هو إساءة مزدوجة: لهم، ولسوريا نفسها.
ثم إن المسألة تتجاوز المسيحيين وحدهم، فاليوم يُصنَّف حيّ، وغدًا قد يُصنَّف سلوك، وبعده يُعاد تعريف “المقبول” و”المرفوض” وفق معايير متغيرة، وهنا يصبح المجتمع كله أمام منحدر خطير، حيث تتحول الدولة من راعية للتنوع إلى مُهندس للتمايز. .
لذا فإني أؤكد أن الرسالة التي يجب أن تُفهم بوضوح:
(سورية لا تُدار بهذه الطريقة)...
وعليه:
لا يمكن بناء الاستقرار على الإقصاء، ولا ترسيخ الوحدة عبر التمييز، ولا حماية الأخلاق بفرضها قسرًا، فالمجتمعات لا تُصلح بقرارات فوقية، بل تُبنى بالتوافق، والاحترام المتبادل، والإيمان العميق بأن التنوع ليس تهديدًا، بل مصدر قوة...
وإن أي سلطة تتجاهل هذه الحقيقة، وتختار السير في طريق إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية ضيقة، إنما تُغامر بمستقبل البلاد، وتفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا.
سورية ليست بحاجة إلى من يُعيد تعريفها، بل إلى من يفهمها...
وليكن واضحًا:
أن العبث بهذا التوازن الدقيق ليس مجرد خطأ، بل مقامرة بمصير وطن.