--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تُصبح الحقيقة مبكرةً أكثر من اللازم

Salah Kirata • ٣٠‏/٥‏/٢٠٢٦

38253.jpg


حين تُصبح الحقيقة مبكرةً أكثر من اللازم...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

تاريخ البشر لا يتعثر غالبًا بسبب نقص المعلومات، بل بسبب فائض الانفعال الجمعي الذي يحوّل الإدراك إلى نوع من العمى الاختياري، فحين تتكاثف المشاعر داخل مجتمع ما، وتتلبس فكرة الخلاص أو الخطر، تتراجع القدرة على التمييز بين التحذير والنوايا، بين النقد والخيانة، بين من يرى ومن يهدد وهم الرؤية...

في تلك اللحظات، لا يعود السؤال: 
- من يملك الحجة؟..
 بل: 
- من ينسجم مع المزاج العام؟...
وهكذا تُستبدل الحقيقة بالتصفيق، ويُستبدل التفكير بالانتماء، ويُدفع كل صوت مختلف إلى هامش الاتهام قبل أن يُسمع أصلاً، إن الجماعة حين تشتد حرارتها النفسية لا تطلب من المفكر أن يشرح، بل أن يوافق، وإلا تحول إلى خصم...

لو تأملنا التاريخ القريب والبعيد، سنجد أن هذا النمط يتكرر بمرارة لافتة، فقبل الكوارث الكبرى، غالبًا ما يكون هناك من يرفع الصوت محذرًا من الانحدار، لكن المشكلة ليست في غياب التحذير، بل في رفض سماعه، فالمجتمعات لا ترفض الأفكار لأنها خاطئة دائمًا، بل لأنها تزعج انسجامها الداخلي، تكسر الإيقاع الجماعي الذي يطمئن الناس ولو كان يقودهم نحو الهاوية...

وفي لحظات الحروب الكبرى التي غيّرت وجه العالم، كان الخطاب العام يميل إلى تمجيد العنف باعتباره ضرورة تاريخية أو تطهيرًا حتميًا، بينما كانت أصوات قليلة تتحدث عن الانزلاق نحو الكارثة، تلك الأصوات لم تُقابل بالنقاش، بل بالتجريد من الشرعية الأخلاقية، وبعد أن انقشع الدخان وظهرت الحصيلة المروعة، بدأ الاعتراف المتأخر يتسلل، اعتراف لا يغيّر شيئًا، لكنه يمنح ضميرًا جماعيًا بعض التهدئة المؤقتة...

الأمر ذاته يتكرر حين تتحول السياسة إلى يقين مطلق، أو حين تُختزل الدول والشعوب في شعارات بسيطة تخفي تعقيد الواقع، عندها يصبح أي تشكيك تهديدًا، وأي دعوة للتأني محاولة لتعطيل “المصير”، لكن التاريخ لا يعترف بالمصائر المعلنة، بل بنتائج القرارات حين تُختبر على الأرض...

المشكلة الأعمق ليست في الخطأ الجماعي ذاته، بل في الطريقة التي يتعامل بها مع من يكتشفه مبكرًا، فالمجتمعات لا تسامح من يسبق زمنها في الفهم، لأنها ترى فيه مرآة مزعجة تكشف هشاشة يقينها. لذلك يتم إقصاء الأصوات النقدية لا لأنها غير منطقية، بل لأنها سابقة لأوانها...

وهنا تكمن المفارقة القاسية:
 الحقيقة التي تأتي في وقت مبكر جدًا لا تُعامل كحقيقة، بل كإزعاج. وكأن الزمن وحده هو من يمنح الأفكار شرعيتها، لا صحتها. لذلك لا يُكافأ من يرى بوضوح، بل من يصل متأخرًا بما يكفي كي لا يحرج أحدًا...

أما أنا، فلا أزعم امتلاك رؤية استثنائية، ولا أضع نفسي في موقع من يقف خارج التاريخ أو فوقه، لكني أؤمن أن التفكير حين يكون صادقًا، لا بد أن يكون أحيانًا غير محبوب، فالثمن الطبيعي للفهم المبكر هو العزلة المؤقتة، لأن الجماعة لا ترى ما يسبقها، بل ما يشبهها...

ولهذا، فإن ما يبدو “صوتًا شاذًا” في لحظته، قد يتحول لاحقًا إلى سجل مبكر للحقيقة، ليس لأنه كان نبيًا، بل لأن الآخرين احتاجوا وقتًا أطول ليواجهوا ما كان واضحًا منذ البداية...

في النهاية:
ليست المشكلة أن الجماعات تخطئ، فهذا جزء من طبيعة البشر، بل المشكلة أنها كثيرًا ما تعاقب من يلاحظ الخطأ قبل أن يصبح مكلفًا. وحين يحدث ذلك، لا تكون الكارثة مجرد حدث سياسي أو تاريخي، بل أيضًا فشلًا في الإصغاء، وتأخرًا في الاعتراف، وانتصارًا مؤقتًا للوهم على حساب الإدراك...

لكن الوهم، مهما طال، لا يملك إلا أن يتأخر عن الحقيقة… ثم يلحق بها بعد فوات الأوان.