--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين تُستبدل الجغرافيا بالعقيدة: هندسة الفوضى وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

Salah Kirata • ٤‏/٣‏/٢٠٢٦

6908.jpg

حين تُستبدل الجغرافيا بالعقيدة: هندسة الفوضى وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد تصعيد عسكري متقطع أو تبادل رسائل بالنار بين خصوم تقليديين، بل يبدو أقرب إلى عملية إعادة هندسة شاملة للصراع، حيث يُعاد تعريف العدو، وتُبدَّل ساحات المواجهة، وتُستحضر السرديات الدينية لتؤدي وظيفة سياسية بامتياز.

ثمة ملامح واضحة لتحوّل استراتيجي يسعى إلى نقل الاشتباك من كونه صراعاً مباشراً بين الولايات المتحدة وإيران إلى صراع إقليمي تتواجه فيه القوى المحيطة بطهران معها وجهاً لوجه. هذا التحويل لا يخدم فقط هدف تخفيف الكلفة الأمريكية، بل يفتح الباب أمام استنزاف طويل الأمد يعيد ترتيب موازين القوى دون تدخل مباشر واسع النطاق من واشنطن.

الرهان هنا ليس عسكرياً فحسب، بل اقتصادي أيضاً. فمن يراقب التحولات في سوق الطاقة يدرك أن اعتماد الولايات المتحدة على مصادر بديلة خارج الخليج – وفي مقدمتها النفط الفنزويلي – يمنحها هامش مناورة أوسع. حين لا يكون تدفق النفط الخليجي مسألة وجودية للاقتصاد الأمريكي كما كان في سبعينيات القرن الماضي، تتغير الحسابات جذرياً. يصبح ممكناً دفع المنطقة نحو حافة الاشتعال دون خشية ارتداد فوري على الداخل الأمريكي.

في هذا السياق، تبرز إسرائيل باعتبارها المستفيد المحتمل الأكبر من تفكك الإقليم. فكلما غرقت القوى العربية والإيرانية في صراعات جانبية، تراجعت أولويات الصراع معها، وتحوّل ميزان القوة لصالحها سياسياً واقتصادياً وأمنياً. حكومة تدرك جيداً قيمة الزمن في معادلات الشرق الأوسط: ليس مطلوباً منها أن تربح حرباً شاملة، بل يكفي أن تضمن أن الآخرين يخوضونها ضد بعضهم البعض.

الأخطر في المشهد هو التحول في الخطاب. حين يستخدم مسؤولون في واشنطن لغة مشبعة بإيحاءات عقائدية، بالتوازي مع استدعاء رموز توراتية في خطاب سياسي إسرائيلي، فإننا أمام محاولة واعية لإعادة تأطير الصراع. استحضار “العماليق” في خطاب نتنياهو ليس تفصيلاً بل إشارة. تحويل الخصم إلى تجسيد لشرٍّ تاريخي أو ديني يسهّل تعبئة الجمهور ويمنح أي مواجهة طابعاً وجودياً يتجاوز السياسة.

في المقابل، يسهل جرّ الشارع العربي والإيراني إلى انقسام مذهبي حاد. وعندما يتحول التوتر الجيوسياسي إلى استقطاب سنّي–شيعي شامل، يصبح الصراع ذاتي التغذية. هنا تنتفي الحاجة إلى إدارة خارجية دقيقة؛ إذ تتكفل المجتمعات نفسها بإدامة النزيف. هكذا يُستبدل الصراع العقلاني القابل للتفاوض بصراع هوياتي لا يقبل التسويات.

التاريخ القريب يعلّمنا أن الحروب التي تبدأ بشعارات سياسية يمكن احتواؤها، أما الحروب التي تُكسى برداء ديني فتتحول إلى مواجهات مفتوحة لا نهاية واضحة لها. في الحالة الأولى يمكن رسم خطوط حمراء، وفي الثانية تُمحى الخطوط لأن المعركة تصبح معركة “عقيدة” لا معركة مصالح.

وإذا كان القرن العشرون قد شهد صراعات على الحدود والموارد، فإن ما يلوح في الأفق اليوم هو صراع على تعريف المنطقة ذاتها: هل تبقى فضاءً جيوسياسياً تحكمه موازين القوى والمصالح، أم تتحول إلى ساحة مواجهة حضارية يُعاد فيها إنتاج الانقسامات التاريخية بأدوات حديثة؟

إن أخطر ما في السيناريو المطروح ليس اندلاع حرب بحد ذاته، بل نجاح تحويل بوصلة الوعي الجمعي. فعندما ينشغل العرب والإيرانيون بتصفية حسابات مذهبية، وتتراجع القضية الفلسطينية إلى الهامش، وتُستبدل معادلة الردع الإقليمي بمعادلة الاحتراب الداخلي، تكون عملية إعادة تشكيل المنطقة قد أنجزت أهم أهدافها دون إعلان رسمي.

الخلاصة أن ما نواجهه ليس مجرد تصعيد عابر، بل رؤية بعيدة المدى تقوم على مبدأ بسيط وخطير: دع الخصوم يستهلكون بعضهم، ثم ادخل لملء الفراغ. إنها سياسة إدارة الحرائق لا لإخمادها، بل لتوجيه مسارها. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجرأة: هل ستبقى شعوب المنطقة وقوداً في لعبة الأمم، أم تدرك أن أخطر المعارك ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُخاض في العقول قبل الميادين؟