
حين يصبح المجتمع ساحة صراع: من الانقسام إلى الانحدار الأخلاقي.
ما شاهدته في تلك المقاطع المصوّرة لمحاولة اعتصام سلمي في ساحة يوسف العظمة بدمشق لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان مرآة كاشفة لمرضٍ عميق استوطن في الجسد الاجتماعي السوري منذ سنوات. مشهد يعيد الذاكرة مباشرة إلى البدايات الأولى لما سُمّي زوراً وبهتاناً "ربيعاً عربياً"، حين انقسم الشارع إلى عالمين متوازيين لا يلتقيان، وكأن أبناء الحي الواحد لم يعودوا ينتمون إلى التاريخ ذاته ولا إلى الذاكرة ذاتها.
ذلك الانقسام لم يكن سياسياً فحسب، بل كان انقساماً أخلاقياً وثقافياً ونفسياً. لقد خرج من داخل المجتمع نفسه خطاب كراهية لم يكن غريباً فقط، بل كان صادماً في حدّته ووحشيته. كأنما انكشفت طبقات دفينة من الحقد، كانت كامنة تنتظر لحظة الانفجار. وهنا تتجلى الحقيقة القاسية: الإنسان بالفعل ابن بيئته، لكن البيئة نفسها حين تختل وتُسمّم، تُنتج إنساناً مشوهاً في وعيه وقيمه.
المثير للقلق ليس مجرد وجود هذا الانقسام، بل درجة الانصهار الخطير بين الموروث والمكتسب من السلوكيات السلبية. لقد امتزجت رواسب ثقافية قديمة – من العصبية والانغلاق – مع مكتسبات حديثة أكثر خطورة، كالتجييش الإعلامي والتضليل والتحريض، لتنتج حالة غير مسبوقة من الانحدار الفكري والاجتماعي. لم يعد الأمر مجرد اختلاف في الرأي، بل تحول إلى رفض للآخر، إلى إلغائه، بل إلى شيطنته.
إننا أمام حالة تفسخ مجتمعي حقيقي. مجتمع لم يعد قادراً على إنتاج لغة مشتركة، ولا حتى على الاتفاق على الحد الأدنى من القيم الإنسانية. وهذا أخطر من أي دمار مادي؛ لأن ما تهدمه القنابل يمكن إعادة بنائه، أما ما تهدمه الكراهية في النفوس فقد يحتاج أجيالاً لترميمه—إن أمكن ذلك أصلاً.
النقد هنا يجب أن يكون مباشراً وصريحاً: جزء كبير من المجتمع تورّط، بوعي أو دون وعي، في إنتاج هذا الانحدار. الصمت عن خطاب الكراهية كان مشاركة فيه. تبرير العنف كان مساهمة في شرعنته. والانجرار خلف السرديات الجاهزة كان تخلياً عن أبسط مسؤوليات التفكير النقدي. لا يمكن الاستمرار في لعب دور الضحية الجماعية بينما نمارس، في الوقت ذاته، دور الجلاد تجاه بعضنا البعض.
أما الخروج من هذه الحالة، فليس مستحيلاً، لكنه يتطلب شجاعة نادرة:
أولاً، إعادة الاعتبار للفرد ككائن مسؤول، لا كجزء من قطيع. لا بد من كسر عقلية "نحن وهم" التي دمّرت النسيج الاجتماعي.
ثانياً، بناء خطاب جديد يقوم على النقد الذاتي لا على تبرير الأخطاء. الاعتراف بالمشكلة هو بداية الحل، لا الهروب منها أو إسقاطها على الآخر.
ثالثاً، إعادة تأهيل الوعي عبر التعليم والإعلام، لكن ليس بالشعارات، بل بمحتوى حقيقي يعيد تشكيل القيم على أساس احترام الإنسان كإنسان، لا كهوية أو موقف.
رابعاً، فتح مساحات حقيقية للحوار، لا تلك التي تُدار كمنابر دعائية، بل حوار صادق يتيح سماع الصوت المختلف دون تخوين.
خامساً، العمل على تفكيك الإرث الثقيل من الكراهية المتوارثة، وهو عمل طويل يتطلب جهداً مؤسسياً ومجتمعياً، لا مجرد مبادرات فردية.
في النهاية، ما نعيشه اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكمات يمكن عكسها إذا توفرت الإرادة. لكن الاستمرار في هذا المسار يعني شيئاً واحداً: انهيار بطيء لا تحتاج فيه إلى حرب، لأن المجتمع سيتكفل بتدمير نفسه بنفسه.