
حين يصبح الصمت أداة قتل رمزي:
في سورية، لا تُدار السلطة بالقوانين وحدها، بل بإدارة الذاكرة نفسها: ما يُقال، وما لا يُقال، وما يُدفن قبل أن يتحوّل إلى سؤال، ضمن هذا السياق، تبدو سيرة محمد ناصيف مثالًا صارخًا على الطريقة التي تحوّلت فيها الأجهزة الأمنية من مؤسسات دولة إلى بنية حكم قائمة بذاتها، تمتلك مفاتيح الخوف والمعرفة والعقاب...
لم يكن الرجل مجرّد ضابط رفيع في جهاز المخابرات العامة، بل جزءًا من طبقة أمنية صاغت، عبر عقود، العمود الفقري الفعلي للسلطة السياسية. الحديث عن الفرع 251 ليس حديثًا عن وحدة إدارية بقدر ما هو توصيف لسياسة إخضاع الداخل السوري،سياسة تأسّست على الاعتقال التعسفي، والتحقيق القسري، وإنتاج الاعتراف بوصفه أداة سياسية لا قضائية، هذه ليست "تجاوزات أفراد"، بل بنية حكم متكاملة حوّلت الأمن إلى وسيلة ضبط المجتمع بدل حمايته...
منذ الثمانينات، تأسّس نموذج الحكم السوري الحديث على معادلة وحشية، الاستقرار مقابل الصمت، فمن يخرج عن الصمت يُعاد إدخاله إلى المعادلة بأدوات القمع، في هذه البنية، لم يكن رجال الأمن منفّذين فحسب، بل شركاء في صياغة منطق الحكم نفسه. ومحمد ناصيف، بوصفه أحد أركان هذه الطبقة، كان جزءًا من صناعة "الدولة الأمنية" التي أُعيد إنتاجها جيلاً بعد جيل...
وحين رحل حافظ الأسد، لم تنتقل السلطة السياسية فقط، بل انتقلت معها بنية القمع نفسها، مع إعادة توزيع للأدوار داخل الأجهزة. في مثل هذه اللحظات الانتقالية، يصبح من يعرف الكثير خطرًا مضاعفًا،خطرًا لأنه يحمل أرشيف المرحلة السابقة، وخطرًا لأنه يعرف تفاصيل الترتيبات الجديدة... الأنظمة السلطوية لا تثق بالشهود الذين يعرفون أكثر من اللازم، ولا تحتمل من يستطيع الربط بين البدايات والنهايات...
رحيل محمد ناصيف بصمت لا يمكن قراءته بوصفه تفصيلًا إداريًا أو حدثًا طبيعيًا محضًا، فالصمت هنا سياسة، والصمت شكل من أشكال القتل الرمزي، قتل السؤال، وقتل النقاش العام حول دور الأجهزة الأمنية ومسؤوليتها عن عقود من الانتهاكات، حين يختفي رجل بهذا الوزن من المشهد بلا أي مساءلة علنية، فإن الرسالة موجّهة إلى الجمهور وإلى من داخل المنظومة معًا: لا أحد أكبر من آلية الإخفاء...
أخطر ما في "الرحيل الصامت" ليس غياب الحقيقة، بل تحويل الغياب ذاته إلى قاعدة،فالسلطة التي لا تُحاسِب مسؤوليها علنًا، ولا تسمح بتحويل الذاكرة الأمنية إلى مادة نقاش عام، إنما تعيد إنتاج شروط العنف نفسها. الصمت لا يحمي الاستقرار؛ الصمت يحمي من صنعوا بنية القمع من أن تُفتح ملفاتهم يومًا...
بهذا المعنى، لا يُختزل محمد ناصيف في شخصه، بل في الدور الذي مثّله، دور ( المهندس الأمني ) الذي يُنتج الخوف بوصفه سياسة عامة،ورحيله الصامت لا يُغلق هذا الدور، بل يرسّخه نموذجًا، فمن يخدم منظومة القمع يُمحى اسمه حين تنتهي صلاحيته، وتبقى المنظومة بلا وجوه واضحة للمساءلة، وبلا تاريخ قابل للمحاسبة.
في سورية، المعضلة ليست في موت رجال الأمن، بل في بقاء النظام الذي صنعهم، ما دام الصمت هو اللغة الرسمية لإدارة الذاكرة، ستظلّ الأسئلة جريمة غير مكتوبة، وسيظلّ الرحيل الصامت الطريقة الأكثر أمانًا لإخفاء المسؤولية السياسية عن عقود طويلة من القمع.