
حين يصير الجسد وطنًا محتلاً
لم أدخل المكان؛ المكان هو الذي دخلني. دخلني دفعة واحدة، بثقله ورائحته وبصمته الباردة، كأنني لم أَعُد أقف داخله بل صار يقف في داخلي. منذ اللحظة الأولى، فهمت أن الجدران ليست حدودًا هندسية، بل حدودًا تُرسَم حول المعنى. هنا، تُحاصَر اللغة قبل الجسد، ويُنتَزَع من الأشياء حقُّها في أن تُسمّى كما هي. لا أحد يقول “غرفة”، بل مساحة للاختفاء المؤقّت. لا أحد يقول “سجين”، بل مادة قابلة للتشكيل.
الزمن هنا لا يتقدّم؛ يتآكل. يتقشّر عن وجهه حتى تصير الدقائق شبيهة ببعضها إلى حدّ الفزع. ينتظر الجسد دوره كما تنتظر الأشياء أن تُستعمَل، لا لأن هناك سببًا واضحًا، بل لأن الانتظار نفسه جزء من التربية على الخضوع. ومع كل باب يُفتَح، لا يدخل أشخاص بقدر ما تدخل وظيفة: وظيفة الإذلال بوصفه إجراءً إداريًا، ووظيفة الألم بوصفه لغةً رسمية لا تحتاج إلى مترجم.
لا يتعاملون مع الجسد بوصفه كيانًا، بل بوصفه سطحًا تُكتَب عليه الرسائل. يختبرون حدود احتماله لا بدافع الفضول، بل بدافع السيطرة. الضحك الذي يعلو في اللحظات الأكثر قسوة ليس ضحك أفراد، بل صدى منظومة تعرف أن انتهاك الكرامة يُنتِج طاعةً أسرع من أي خطاب. هناك تُفهَم القسوة بوصفها ترتيبًا، لا انفلاتًا؛ بروتوكولًا يُدرَّس من جيلٍ إلى جيل، حتى يصير الإذلال مهارة وظيفية لا تترك أثرًا في ضمير من يمارسها.
شيئًا فشيئًا، يتعلّم الجسد لغة جديدة. يتعلّم كيف ينكمش حين يُنادى عليه، كيف يسبق الضربة بتوقّعها، كيف يصير الألم ذاكرةً حاضرة قبل أن يكون إحساسًا طارئًا. يُراد له أن يعترف لا ليقول ما حدث، بل ليُنتِج رواية السلطة عن ما حدث. الحقيقة هنا لا تُكتشَف؛ تُصنَع. الاعتراف طقسٌ يُراد له أن يُكتمِل حتى لو كان كذبًا، لأن اكتماله يعني أن الإرادة الخارجية قد نجحت في إعادة تشكيل الداخل.
ومع ذلك، لا ينجح الاحتلال كاملًا. يبقى في الداخل شقّ ضيّق لا تطاله الأوامر. شقّ يُذكِّر صاحبه بأن الجسد، مهما صار ساحةً مستباحة، لا يفقد كل صلته بالمعنى. في هذا الشقّ تُحفَظ التفاصيل الصغيرة: صوت ارتطام المفاتيح، رائحة الرطوبة، الطريقة التي يتحوّل فيها الانتظار إلى كتلة ثقيلة في الصدر. ليست هذه التفاصيل بطولات، لكنها ما يبقى حين تُسحَب من الإنسان كل الادّعاءات الكبرى. هي الذاكرة التي تُقاوِم محوًا منظّمًا.
في أمكنة كثيرة من هذا العالم، تتشابه الوجوه التي لا تُرى، وتتطابق الآليات وإن اختلفت الأسماء والشعارات. الأنظمة الشمولية لا تُعذِّب لأنها تبحث عن حقيقة، بل لأنها تُعيد إنتاج نفسها عبر الخوف. التعذيب هنا سياسة عامة تُمارَس على أجساد أفراد كي تُرسَل رسائل إلى مجتمع كامل: يمكن كسر أي شيء إذا تُرِك وحده بما يكفي. هكذا يُدار الرعب كإدارة، وتُدار الكرامة بوصفها خطرًا ينبغي ضبطه.
الكتابة، حين تخرج من هذه الأمكنة، لا تحمل وعد الخلاص السريع. تحمل فعل تسمية. أن تقول: هذا ما كان. أن تعيد للألم سياقه العام، فلا يعود حادثة فردية ولا “تجاوزًا”. أن تُعيد للضحية اسمها، لا بوصفها أيقونة، بل بوصفها إنسانًا أُريد له أن يُمحى. في هذه التسمية، يتعرّض الجدار لشرخ صغير. قد لا ينهار، لكن الشقّ يكبر كلما قيلت الحكاية بوضوح أقلّ خضوعًا وأكثر صدقًا. هكذا يبدأ استرداد المعنى: ببطء، وبكلفة، وبإصرار على ألا يتحوّل الجسد المحتلّ إلى وطنٍ منسيّ.
.