
حين يتحوّل الانتماء إلى معيارٍ للعدالة المفقودة
ليس الانتماء في ذاته مشكلة. فالإنسان يولد داخل دوائر متعددة من الهوية: ثقافة، دين، لغة، بيئة اجتماعية، وتاريخ مشترك. هذه الدوائر تمنحه شعورًا بالمعنى والانتماء، لكنها لا تمنحه—بحكم الأصل—تفويضًا أخلاقيًا ولا حصانةً من المساءلة. الخلل يبدأ عندما تُنقل هذه الدوائر من كونها إطارًا لتعريف الذات إلى كونها معيارًا للحكم على العالم، وعلى الناس، وعلى العدالة نفسها.
في تلك اللحظة الدقيقة، يتراجع الفعل الإنساني أمام ظل الهوية، ويُعاد تفسير السلوك لا وفق ما هو عليه، بل وفق من قام به ومن وقع عليه. عندها لا يعود الظلم ظلمًا في ذاته، بل يصبح قابلاً للتأويل: يتغير وزنه الأخلاقي تبعًا لموقع الفاعل داخل خريطة الانتماءات. ما يصدر عن “الأقرب” يُخفف، يُبرر، أو يُؤجل نقده، بينما ما يصدر عن “الآخر” يُضخَّم ويُقدَّم كدليل على طبيعة كاملة لا على فعل فردي.
هذه ليست انحرافًا فجائيًا، بل تراكم طويل يبدأ حين تتغلب ذاكرة الخوف على منطق العدالة، وحين تُستبدل مسؤولية الفرد بمنطق الجماعة. ومع الزمن، تُعاد صياغة الإنسان لا بوصفه كائنًا مستقلاً قادرًا على الاختيار، بل بوصفه نسخة من جماعته، يحمل صفاتها كلها كما لو كانت قدرًا ثابتًا لا يتغير.
في هذا السياق، تتآكل الحدود بين التوصيف والتحريض. فاللغة نفسها تبدأ في أداء وظيفة أخلاقية خطرة: تصنع “الآخر” لا كإنسان، بل كخطر، كتهديد دائم، أو كاستثناء من قواعد الإنسانية المشتركة. ومع تكرار هذا البناء اللغوي، لا يعود الإقصاء فعلًا صادمًا، بل يبدو تدريجيًا وكأنه إجراء “واقعي” أو “ضروري” أو حتى “دفاعي”. وهكذا يُعاد تعريف الممكن والممنوع داخل الوعي الجمعي دون أن يشعر أصحابه بذلك التحول العميق.
المأساة أن هذا الانزلاق لا يحتاج إلى وحوش استثنائية. يكفي أن يكون هناك خوف مستمر، وخطاب تعبوي، وإحساس متراكم بالتهديد، حتى تبدأ الأخلاق في التحول من مبدأ شامل إلى نظام انتقائي. عندها يصبح التعاطف مشروطًا بالهوية، والإدانة موزعة بحسب الاصطفاف، وتُقاس قيمة الإنسان بموقعه لا بإنسانيته.
وما يبدو في ظاهره دفاعًا عن “النحن” يتحول في العمق إلى تفكك للمعنى الأخلاقي نفسه. لأن المجتمع الذي يقبل بتبرير الانتهاك إذا صدر عن صفه، يفقد تدريجيًا القدرة على رفضه حين يُمارس ضده من أي طرف آخر. وهكذا لا يعود السؤال: هل هذا الفعل صحيح أم خاطئ؟ بل: هل صدر منّا أم منهم؟
هنا تحديدًا يبدأ الانهيار الصامت. ليس انهيار القيم المعلنة، بل انهيار معيار الحكم ذاته. إذ تتحول الأخلاق إلى مرآة للانتماء بدل أن تكون حكمًا عليه. ويصبح الدفاع عن الجماعة أولوية تتقدم على العدالة، حتى لو تعارض الاثنان بشكل صارخ.
لكن المجتمعات لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية نفسها من الآخرين، بل بقدرتها على مساءلة نفسها أيضًا. فالتجارب التاريخية تُظهر أن العنف لا يعيش فقط في أدوات القمع، بل في العقول التي تبرره عندما يأتي من “جهتها”، وتسكت عنه حين يصدر باسمها.
إن أخطر ما في هذا المسار ليس الانتهاك نفسه، بل اعتياده. حين يصبح الألم مألوفًا إذا وقع على “الآخر”، وحين يتحول الصمت إلى شكل من أشكال التكيف، تبدأ المسافة بين الإنسان والإنسانية في الاتساع. لا يعود الظلم حدثًا استثنائيًا، بل يصبح احتمالًا مقبولًا ضمن معادلة الهوية.
ومع ذلك، يبقى المخرج ممكنًا—ولو كان صعبًا. يبدأ من استعادة فكرة بسيطة لكنها ثورية في جوهرها: أن الإنسان لا يُختزل في جماعته، وأن الفعل لا تتغير طبيعته الأخلاقية بتغير اسم مرتكبه. وأن العدالة، إذا فقدت حيادها، تتحول إلى امتداد للصراع لا إلى بديل عنه.
إن اختبار المجتمعات الحقيقي لا يظهر في قدرتها على إدانة خصومها، بل في شجاعتها على مواجهة ذاتها دون أقنعة. فحين تصبح الجرأة على الاعتراف أقوى من الولاء الأعمى، يبدأ الانتماء في استعادة معناه الإنساني بدل أن يكون غطاءً للانتهاك.
في النهاية، ليست المشكلة في تعدد الهويات، بل في تحويلها إلى حدود مغلقة للأخلاق. فالمجتمعات لا تنهار لأنها مختلفة، بل لأنها تتوقف عن رؤية الإنسان خارج تلك الاختلافات. وعندها فقط يصبح الانتماء، بدل أن يكون مساحة حياة، معيارًا لتوزيع العدالة… أو حرمانها.