--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتحوّل الغموض إلى يقين… تأمل في فكرة “الروح” وحدود المعرفة

Salah Kirata • ٨‏/٥‏/٢٠٢٦

30744.jpg

حين يتحوّل الغموض إلى يقين… تأمل في فكرة “الروح” وحدود المعرفة

في كل حضارة عرفها الإنسان، تقريباً، ظهرت فكرة “الروح” كإجابة كبرى عن سؤال أصغر وأكثر إلحاحاً: ما الذي يجعلنا نحن، نحن؟ وما الذي يغادر الجسد حين يتوقف عن الحياة؟ هذا السؤال البسيط في ظاهره، تحوّل عبر القرون إلى بناء هائل من التصورات، حتى أصبح مفهوم الروح واحداً من أكثر المفاهيم رسوخاً… وأقلها قابلية للتعريف في الوقت نفسه.

المفارقة الأولى هنا ليست في وجود الفكرة، بل في مرونتها المفرطة. فكلما حاولت الإمساك بها تعريفاً، انزلقت إلى شكل آخر. مرة تُقدَّم كجوهر غير مادي، ومرة كوعي مستقل، ومرة كنفخة إلهية، ومرة كطاقة خفية لا تخضع لقوانين الطبيعة. وكأننا أمام مفهوم لا يعيش إلا بشرط أن يبقى بلا حدود واضحة، لأن الحدود تعني إمكانية الاختبار، والاختبار يعني احتمال السقوط.

وهنا تحديداً يبدأ الإشكال الفلسفي الحقيقي: هل يمكن اعتبار فكرة ما معرفة، إذا كانت ترفض منذ البداية أن تُختبر بمعايير المعرفة نفسها؟

في العلم، لا تُمنح الأفكار حصانة بسبب قدمها أو شيوعها أو جاذبيتها الرمزية. الفكرة العلمية تُبنى على قابلية التحقق، وعلى إمكانية التفنيد، أي أن تكون عرضة لأن تُثبت خطأها بقدر ما يمكن أن تُثبت صحتها. أما حين ننتقل إلى مفاهيم من نوع “الروح”، فنحن غالباً نغادر هذا الحقل إلى مساحة أخرى تماماً، حيث يصبح الغموض ميزة لا عيباً، وحيث تتحول عدم القابلية للاختبار إلى دليل ضمني على العمق، لا على الإشكال.

المعضلة لا تكمن في الإيمان أو عدمه، بل في الخلط بين مستويين مختلفين من التفكير: مستوى الرمزي الوجودي الذي يمنح الإنسان معنى وتجربة داخلية للعالم، ومستوى التفسير المعرفي الذي يطالب بدقة وحدود وتعريفات قابلة للقياس أو الملاحظة. المشكلة تبدأ حين يُطلب من المفهوم أن يؤدي الوظيفتين معاً دون أن يخضع لشروط أي منهما.

ومن هنا أيضاً ينشأ نوع من الالتباس الجدلي القديم: يُطلب منك أحياناً أن تنفي ما لا يُعرَّف بدقة، ثم تُلام لأنك لم تُثبت نفيه. وكأن العبء المعرفي انتقل من صاحب الادعاء إلى من يجرؤ على السؤال. لكن في المنهج العقلي الصارم، من يطرح ادعاءً غير قابل للاختبار هو من يواجه سؤال الشرعية المعرفية أولاً، لا من يشك فيه.

ليس المقصود هنا اختزال التجربة الإنسانية في بعدها المادي الصرف، ولا إلغاء الأسئلة الوجودية العميقة التي رافقت الإنسان منذ بداياته. بل المقصود هو التمييز بين ما هو رمز ومعنى، وما هو ادعاء معرفي. بين ما يخص الشعر والميتافيزيقا الداخلية للإنسان، وما يُقدَّم كحقيقة عن بنية الكون.

فحين تتحول فكرة ما إلى “حقيقة مقدسة” لا يجوز إخضاعها للفحص، فإنها تخرج من مجال المعرفة وتدخل مجال الإيمان. وحين يُطلب من الآخرين التعامل معها كحقيقة علمية دون أدوات علمية، فإننا نكون قد انتقلنا من البحث إلى الإلزام، ومن السؤال إلى المصادرة.

ربما لا تكون المشكلة في وجود فكرة “الروح” بحد ذاتها، بل في الإصرار على وضعها في مكان لا تنتمي إليه: منطقة بين العلم المطلق والمعنى المطلق، دون أن تتحمل شروط أي منهما. وهكذا تبقى الفكرة حيّة، لا لأنها ثبتت، بل لأنها صُممت كي لا تموت ولا تُختبر في آن واحد.

وفي النهاية، يبقى السؤال الفلسفي الأهم ليس: هل توجد الروح؟ بل: ما نوع الأسئلة التي نعتقد أننا نجيب عنها حين نستخدم هذا المفهوم؟ وما الذي نربحه أو نخسره عندما نحول الغموض إلى يقين، بدل أن نتركه في مكانه الطبيعي… كغموض؟