
حين يتحول الغضب إلى هوية… خطر التعميم على المجتمع السوري
في المجتمعات التي خرجت من صراعات قاسية، لا يكون الخطر الأكبر في ما جرى من عنف فقط، بل في الطريقة التي يُعاد بها تفسير هذا العنف لاحقًا. فبعد أن يهدأ صوت السلاح، تبدأ معركة أخطر: معركة الذاكرة، والتفسير، وتوزيع المسؤولية على الهويات لا على الأفعال.
في السياق السوري، برزت في المرحلة التي تلت السقوط والصعود المريبان، خطابات تُعيد إنتاج الانقسام الطائفي تحت عناوين مختلفة، أحيانًا باسم العدالة، وأحيانًا باسم كشف الحقيقة، لكنها في جوهرها تنزلق نحو تعميم خطير يحمّل جماعات بشرية كاملة مسؤولية أفعال أفراد.
ومن بين الأمثلة التي أُثيرت في هذا السياق، عاطف نجيب - امجد يوسف الإشارة إلى أسماء، حيث تُستخدم كرموز لتوصيف جماعات كاملة في سياقات إعلامية أو جدلية مشحونة.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ذكر الأسماء أو مناقشة أدوار الأشخاص، بل في القفز من الفرد إلى الجماعة، ومن المسؤولية الشخصية إلى الاتهام الجمعي. وهذا ما يجعل الخطاب ينتقل من مساحة النقد السياسي أو القانوني إلى مساحة التحريض الاجتماعي غير المباشر.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مجتمع متعدد ومعقد مثل المجتمع السوري هو أن تتحول الأفعال الفردية، مهما كانت جسيمة، إلى بصمة جماعية تُلصق بطائفة أو مكوّن اجتماعي كامل. بهذا المنطق، لا يعود هناك فرق بين الجاني والمجتمع الذي ينتمي إليه، وبين القرار الفردي والهوية الوجودية.
وهنا تظهر أهمية التذكير بقاعدة بسيطة لكنها جوهرية في أي نظام عدالة: المسؤولية فردية، والعقاب فردي، والمحاسبة فردية. أي انحراف عن هذه القاعدة هو انزلاق نحو منطق العقاب الجماعي، وهو من أكثر أشكال الظلم التي عرفها التاريخ الحديث، سواء في الحروب الأهلية أو الأنظمة الشمولية أو حتى في خطابات الكراهية الشعبية.
المشكلة ليست في أن يُنتقد شخص مثل أو غيره على أفعاله، بل في أن يُستخدم اسمه كذريعة لاتهام مكوّن اجتماعي كامل، وكأن الأفراد يختزلون جماعاتهم، وكأن العدالة تُستبدل بالهوية.
وفي المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل أن استخدام أسماء مثل في الخطاب العام يجب أن يبقى ضمن إطار الفعل والمساءلة، لا ضمن إطار التعميم على بيئة اجتماعية أو طائفية أوسع.
إن المجتمعات التي تتعافى فعلاً هي تلك التي تفصل بين ثلاثة مستويات: الفعل، والمسؤولية، والهوية. أما المجتمعات التي تخلط بينها، فهي تنتقل تدريجيًا من دولة القانون إلى دولة الاتهام، ومن العدالة إلى الثأر، ومن السياسة إلى الانقسام المفتوح.
سوريا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى خطاب يعيد تعريف العدالة بوصفها إنصافًا للأفراد لا إدانة للجماعات، ويعيد تعريف الوطن بوصفه مساحة مشتركة لا ساحة تصفية حسابات تاريخية.
فالذين يظنون أن بناء المستقبل يمكن أن يتم عبر إقصاء مكوّن كامل أو شيطنته، إنما يعيدون إنتاج نفس المنطق الذي دمّر البلاد في مراحل سابقة، وإن تغيّرت الشعارات والأصوات.
في النهاية، ليست المشكلة في ذكر الأسماء، بل في الطريقة التي تتحول بها الأسماء إلى أدوات لتجريد الآخرين من إنسانيتهم. وبين العدالة والكراهية، يبقى الفاصل الحقيقي هو القدرة على رؤية الإنسان كفرد، لا كظلّ لجماعة.