
حين يتحول الخلاف الديني إلى سلاح ضد المجتمع:
في لحظة سورية شديدة الحساسية، حيث تتراكم التوترات الاجتماعية والسياسية على نحو يهدد هشاشة السلم الأهلي، يبرز نوع آخر من الخطر لا يقل فداحة عن العنف المباشر: العنف الرمزي الذي يصدر عن بعض الخطابات الدينية حين تتحول من فضاء دعوي إلى منصة للتجريح والإقصاء.
ما يدعو إلى القلق ليس مجرد اختلاف في الرأي بين رجال دين أو مفكرين، فهذا أمر طبيعي ومشروع، بل في انتقال هذا الاختلاف إلى مستوى التخوين والتجريم الأخلاقي، وصولاً إلى إطلاق أوصاف شديدة الحدّة على مخالفين في الرأي، بما يفتح الباب أمام تحريض اجتماعي قد يتجاوز حدود الكلام إلى الفعل.
في هذا السياق، يطفو إلى السطح جدل أثارته مواقف صادرة عن بعض الشخصيات الدينية تجاه أحد رجال الدين المعروفين بآرائه المثيرة للنقاش داخل سوريا وخارجها. الجدل لم يقف عند حدود النقد الفكري أو الاعتراض العلمي، بل تعدّاه إلى لغة إقصائية تتعامل مع المخالف بوصفه خطراً يجب منعه أو عزله أو حتى التشهير به، تحت شعارات عامة مثل حماية المجتمع أو صون القيم.
المشكلة هنا لا تكمن في رفض الأفكار المختلفة، فهذا حق مشروع لكل طرف، بل في استخدام مصطلحات ذات حمولة خطيرة في التراث الديني، تُستخدم عادة في سياقات دقيقة للغاية، وبضوابط علمية صارمة، لا في سياقات الخلاف العام أو الاختلاف في التأويل والاجتهاد. فحين يُنزَل هذا النوع من الأحكام على أرض الواقع دون ضوابط، فإنه يتحول من أداة علمية إلى أداة تعبئة وتحريض.
الأكثر خطورة أن هذا النوع من الخطاب يأتي في بيئة اجتماعية هشة، تعاني أصلاً من انقسامات حادة، ما يجعل أي كلمة صادمة قابلة للتحول إلى فعل عنيف في الشارع أو في الفضاء العام. وهنا يصبح الخطأ مضاعفاً: إذ لا يقتصر الضرر على الشخص المستهدف، بل يمتد ليصيب فكرة التعددية نفسها، ويقوّض إمكان الحوار داخل المجتمع.
المفارقة أن بعض من يرفعون شعارات حماية السلم الأهلي، قد يستخدمون خطاباً يهدد هذا السلم ذاته، عبر فتح الباب أمام ردود فعل غاضبة أو فوضوية، حتى وإن لم تكن مقصودة بشكل مباشر. فالكلمات في لحظات التوتر ليست بريئة، وتأثيرها يتجاوز نية قائلها أحياناً.
في المقابل، يبقى من الضروري التمييز بين النقد الفكري المشروع، وبين التحريض أو الإقصاء. فالنقاش حول الأفكار الدينية أو السياسية، مهما كان حاداً، يجب أن يبقى ضمن دائرة الحجة والبرهان، لا دائرة التخوين والتجريم. فالمجتمعات التي خرجت من دوامات العنف، لا تحتاج إلى إعادة إنتاج أدواته بأشكال جديدة.
إن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس مزيداً من الاصطفاف داخل كل مكوّن، بل قدر أعلى من ضبط الخطاب، وإعادة الاعتبار لقيم الحوار والاختلاف، بوصفها شرطاً لأي تعافٍ اجتماعي حقيقي. فحين يصبح الاختلاف سبباً للإقصاء، يتحول المجتمع تدريجياً إلى ساحة مغلقة، لا يتسع فيها سوى صوت واحد، وهو طريق لا يقود إلا إلى مزيد من الانقسام.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للمجتمع أن يحتمل تعدد القراءات داخل الدين والفكر والسياسة دون أن يحوّل هذا التعدد إلى صراع إقصائي؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المستقبل، أكثر مما تحدده أي معركة كلامية عابرة.