--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يتحول الشك إلى وطن داخلي

Salah Kirata • ١‏/٦‏/٢٠٢٦

41170.jpg

حين يتحول الشك إلى وطن داخلي

لم يكن التحول الذي يطرأ على الإنسان لحظة مفاجئة تشبه الانقلاب، بل كان أشبه بتآكل بطيء في طبقات المعنى التي ورثها دون أن يختارها. يبدأ الأمر عادةً من حيث لا يُتوقع: من أسئلة صغيرة تبدو بريئة، لكنها تملك قدرة غريبة على تفكيك ما يبدو راسخًا. ومع الوقت، لا يعود العالم كما كان، ليس لأنه تغيّر في الخارج، بل لأن العين التي تراه لم تعد تلك العين الأولى.

في بدايات الوعي، يتعامل الإنسان مع المعنى كما يتعامل الطفل مع لغة أسرته: يتلقاه بوصفه حقيقة مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة. غير أن العقل، حين ينضج، لا يكتفي بالمشاهدة. إنه يطلب التفسير، ثم التبرير، ثم يتجاوز الاثنين معًا نحو إعادة البناء. وهنا يبدأ التوتر الحقيقي بين الموروث وما يتشكل داخل التجربة الفردية.

ليس الصراع في جوهره مع الإيمان ذاته، بل مع الصورة التي تُقدَّم بوصفها نهائية. فكل منظومة فكرية، حين تتحول إلى يقين مغلق، تفقد قدرتها على احتواء الحياة كما هي: متغيرة، ملتبسة، ومفتوحة على احتمالات لا تنتهي. عند تلك النقطة، يصبح السؤال نوعًا من التهديد، لا لأنه خطأ، بل لأنه يزعزع استقرار الإجابة الجاهزة.

ومع تراكم القراءات والتجارب، يكتشف الإنسان أن ما كان يظنه حقيقة مطلقة قد يكون في جزء كبير منه بناءً ثقافيًا مشبعًا بالخوف أكثر مما هو بحث عن الحقيقة. هنا لا ينفصل الإيمان عن السلطة فقط، بل تنفصل الفكرة عن روحها الأولى، وتتحول من تجربة وجودية إلى نظام ضبط.

لكن المفارقة أن التحرر من هذا البناء لا يقود بالضرورة إلى الفراغ، كما يُتخيل، بل إلى امتلاء آخر أكثر قلقًا وخصوبة في الوقت نفسه. امتلاء قائم على إعادة تعريف الأسئلة لا على إلغاءها. فبدل البحث عن إجابات نهائية، يبدأ الإنسان في إدراك أن القيمة الكبرى تكمن في استمرار الحركة الفكرية نفسها.

في هذا السياق، لا يعود العقل خصمًا للمعنى الروحي، بل يصبح أداة لتوسيع حدوده. كذلك لا يعود الشعور الروحي نقيضًا للعقل، بل تجربة داخلية لا تحتاج إلى وسائط جاهزة كي تبرر وجودها. عند هذه النقطة تحديدًا، يتفكك الصراع التقليدي بين ما هو عقلاني وما هو إيماني، ويظهر مجال ثالث أكثر اتساعًا: مجال التجربة الإنسانية الحرة.

غير أن هذه الحرية ليست سهلة أو مريحة. إنها على العكس تمامًا، ثقيلة لأنها تسلب الإنسان آخر أعذاره. حين لا يعود هناك من يفكر بدلًا عنه، يصبح هو المسؤول الوحيد عن المعنى الذي يمنحه لحياته. وهذه المسؤولية هي ما يجعل كثيرين يفضلون البقاء داخل الأطر الجاهزة، حتى لو ضاقت عليهم.

ومع ذلك، فإن الخروج من القوالب لا يعني بالضرورة التمرد على كل شيء، بل التمرد على فكرة الثبات نفسها. فالحقيقة، إن وُجدت، لا تُمتلك، بل تُقترب منها عبر مسارات متغيرة. وكل محاولة لتثبيتها في شكل واحد تنتهي إلى تحويلها إلى سلطة بدل أن تبقى أفقًا.

في نهاية هذا المسار، لا يجد الإنسان نفسه في مواجهة مع الإيمان أو اللا إيمان، بل مع ذاته العميقة: تلك التي تريد أن تفهم دون أن تُقيَّد، وأن تؤمن دون أن تُستعبد، وأن تعيش دون أن تتنازل عن حقها في السؤال.

وهنا تحديدًا، يتضح أن ما يبدو تمردًا في بدايته ليس سوى محاولة للعودة إلى أبسط أشكال الصدق: أن لا يعيش الإنسان داخل فكرة لا تشبهه، وأن لا يمنح يقينه إلا بقدر ما يحتمل قلبه وعقله معًا.

فالمعنى لا يولد من الطاعة، ولا من الرفض المطلق، بل من تلك المساحة الهشة بينهما، حيث يقف الإنسان وحيدًا، لا ليعلن القطيعة، بل ليبدأ أول حوار حقيقي مع الوجود.