
حين يتحول التاريخ إلى معبد…
ويتحول الدم إلى عقيدة:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
ليست المشكلة الكبرى في التاريخ أن الشعوب ارتكبت فيه أخطاء؛ فلا توجد أمة خرجت من قرونها نظيفة اليدين، المشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي إلى منطقة محرمة على السؤال، وعندما تصبح المراجعة خيانة، والنقد كفرًا، والاعتراف بالأخطاء هدمًا للهوية...
أغلب الأمم التي مرت بتجارب دينية أو أيديولوجية عنيفة وصلت في لحظة ما إلى مواجهة مرآتها، لم يكن ذلك لأن ضميرها أكثر نقاء، بل لأنها أدركت أن بناء المستقبل يحتاج شجاعة الاعتراف بأن الأجداد لم يكونوا دائمًا على حق، وأن السلطة حين ترتدي ثوب المقدس تصبح أكثر قدرة على إنتاج القسوة من أي سلطة أخرى...
"التقدم لم يبدأ يوم امتلكت تلك المجتمعات التكنولوجيا، بل يوم تخلت عن وهم العصمة التاريخية"...
- في منطقتنا، ما زال هذا الامتحان مؤجلًا...
- وما زال جزء من الوعي العام ينظر إلى التاريخ لا بوصفه تجربة بشرية قابلة للنقد...
- بل بوصفه سجلًا من الأمجاد المطلقة، تختفي الأسئلة الأخلاقية أمام وهج الانتماء:
* هل كان ذلك الفعل عادلًا؟..
* هل كان إنسانيًا؟..
* هل كان مقبولًا لو وقع علينا بدلًا من أن يقع باسمنا؟..
وعندما تغيب هذه الأسئلة، يصبح من الممكن إعادة إنتاج العنف بأسماء جديدة...
فسورية خلال العقد ونصف الماضي كانت أحد أكثر الأمثلة قسوة على ذلك، فقد بدأت القصة، في ظاهرها، بلغة السياسة:
" إصلاح، حرية، كرامة، عدالة، حقوق، تغيير"
لكن مع مرور السنوات، ومع انكسار الدولة وتفكك المجتمع وتحول الأرض إلى ساحات مفتوحة، ظهرت طبقات أعمق مما كان يقال على المنابر والشاشات...
بمعنى:
- أنه لم يكن ما جرى سياسيًا فقط...
بل:
- كان في جوهره أيضًا انفجارًا للهويات المضمرة، وللذاكرات الطائفية المؤجلة، وللتصورات الدينية المتصارعة عن السلطة والمجتمع والدولة...
لا أنكر:
أن السلطة لجأت إلى سرديات تعبئة تحمل في عمقها أبعادًا مذهبية وهوياتية، من خلال ترحيبها للحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وسائر الميليشيات الشيعية ...
وكذا:
فالمعارضة المسلحة لم تكن في معظم احسن حالا أو أكثر وطنية من النظام وكذا فهي رحبت بالايغور والشيشان والاوزباكستان...
اقصد:
انه ومع الوقت تمددت تيارات الإسلام الراديكالي السني، ودخلت تشكيلات شيعية عابرة للحدود تحت شعارات حماية المقامات أو الدفاع عن المحور أو مقاومة المشروع الآخر...
- هكذا تحولت سورية من ساحة مطالب إلى ساحة تأويلات مقدسة...
- لم يعد الصراع بين برامج سياسية، بل بين يقينيات مغلقة...
- كل طرف بدأ يمنح دمه معنى مقدسًا، ويمنح قتاله شرعية تتجاوز الإنسان نفسه...
وفي تلك اللحظة تحديدًا خسر السوريون جميعًا:
- عندما يصبح القتل مشروع خلاص، والخراب قدرًا مقدسًا، والمدينة مجرد ثمن في معركة كبرى، تتراجع قيمة البشر لصالح الأفكار...
ولم تعد الأسئلة :
- كيف نحمي الناس؟..
أو :
- كيف نعيد بناء الدولة؟..
- كيف نوقف الانهيار؟..
بل أصبحت:
- من يمثل الحق المطلق؟..
- ومن يملك الرواية المقدسة؟..
وهكذا:
دخل السوريون في أكثر حلقات التاريخ قسوة، حين يختلط المقدس بالسياسي، فلا يبقى للخطأ اسم، ولا للمسؤولية معنى...
المأساة السورية لم تكن فقط في عدد القتلى أو حجم الخراب، بل في أنها كشفت هشاشة الفكرة الوطنية أمام العصبيات القديمة، وكشفت أن المجتمع الذي لا يحسم علاقته بالدين والطائفة والسلطة، يمكن أن يعود بسرعة إلى منطق الجماعات الأولى مهما كانت شعاراته حديثة...
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: - من انتصر؟..
بل:
ماذا بقي من سورية بعد كل هذا الانتصار المزعوم؟..
لذا:
- إذا كان المستقبل سيُبنى على استعادة سرديات الغلبة الدينية أو الثأر المذهبي أو أوهام الخلاص العقائدي، فلن يكون ذلك خروجًا من الحرب، بل انتقالًا إلى نسخة أخرى منها...
- أما إذا كان ما أصفه أنا بـ "الثورة الإسلامية السورية" هو الواقع الجديد الذي يتشكل أو محاولة لإعادة تعريف المجال العام بمنطق ديني بعد كل هذا النزيف، فإن التحدي الحقيقي لن يكون في رفع الشعارات أو إعلان الانتصارات، بل في سؤال أكثر صعوبة:
- هل ستنتج دولة مواطنين أم دولة مؤمنين؟..
- دولة قانون أم دولة تأويل؟..
- وهل يصبح السوري إنسانًا كامل الحقوق لأنه مواطن، أم لأنه ينتمي إلى الجماعة الصحيحة؟..
هناك فقط يبدأ الاختبار الحقيقي...
فالأوطان لا تُبنى حين ينتصر المقدس على الجميع، بل حين يتساوى الجميع أمام وطن لا يدّعي القداسة...
ملاحظة:
لا اعرف مدى صدقية الحديث الذي ينسب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم حسب ماروى الترمذي وأبو داود عن النبي ﷺ أنه قال:
( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة)...
قيل:
- من هي يا رسول الله؟..
قال:
( ما أنا عليه وأصحابي)...
أنا شخصيا اشك في صحة نسب هذا الحديث للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وان كان قد قاله وفق فهمه الحرب فهو يتحمل كل الحروب التي ضربت الاسلام من خلال طوائفه منذ وفاته للحظة وفاتي بدءا من حروب الردة المسيرات التي جابت شوارع الشام رافعة تكبيرات دينية .