
حين يتحول سقوط الآخرين إلى وهمٍ بالأمان
في السياسة كما في التاريخ، لا تبدأ الهزائم من لحظة الانكسار العسكري، بل من لحظة الاطمئنان المفرط. المدن لا تنهار عندما تُكسر أسوارها، بل حين تقتنع أن ما يجري خارجها لا يعنيها، وأن الحرائق التي تلتهم الجوار ستتوقف احترامًا لحدودها.
هذه واحدة من أكثر الأخطاء البشرية تكرارًا: الاعتقاد أن الكوارث تُصيب الآخرين لأنهم أخطأوا، وأن النجاة حقّ مكتسب لا ظرفٌ مؤقت.
كثير من المجتمعات عبر التاريخ وقفت متفرجة على انهيارات قريبة منها، لا بدافع الشر دائمًا، بل بدافع شعور خادع بالأمان. تُفسَّر الأحداث على أنها شأن بعيد، أو نتيجة تخص أصحابها وحدهم، ثم تُؤجَّل الأسئلة الصعبة: ماذا لو وصل الدور إلينا؟ ماذا لو كانت الإشارات المبكرة تخص الجميع لا طرفًا واحدًا؟
لكن التاريخ لا يعمل بمنطق المجاملة. إنه لا يمنح الحصانة لمن تجاهل الإنذارات، ولا يفرّق كثيرًا بين من شارك في صناعة الخطر ومن اكتفى بمشاهدته.
وفي المقابل، ليس كل تغير ديموغرافي أو سياسي مؤامرة محكمة، ولا كل نزوح نتيجة خطة مسبقة. الكوارث الطبيعية والحروب والاقتصاد والهجرة والسياسات العامة كلها تتداخل لتنتج واقعًا جديدًا. اختزال الأحداث المعقدة إلى تفسير واحد يمنح شعورًا بالوضوح لكنه لا يمنح فهمًا حقيقيًا.
ما يمكن قوله بثقة هو أن المجتمعات التي تفقد قدرتها على التنظيم، وعلى حماية مصالحها المشروعة، وعلى بناء مؤسساتها وروابطها المدنية، تصبح أكثر هشاشة أمام أي تغير؛ سواء جاء بفعل الطبيعة أو السلطة أو الصراع أو التحولات الاقتصادية.
لهذا فإن السؤال الأهم ليس: من المستفيد من التغيير؟
بل: ماذا فعل أصحاب الأرض والمجتمع ليحافظوا على قدرتهم على الاستمرار؟
لا يوجد مجتمع يحميه الخوف وحده، ولا الغضب وحده، ولا الحنين وحده. ما يحفظ الجماعات هو العمل الطويل: التعليم، الاقتصاد، التضامن، المشاركة العامة، وبناء أدوات التأثير بدل الاكتفاء برواية المظلومية أو انتظار الإنقاذ.
التاريخ لا يعيد الأحداث نفسها، لكنه يعيد اختبار البشر بالطريقة ذاتها:
هل يتعاملون مع التحولات كتحذير يدعو إلى الفعل، أم كمشهد يخص الآخرين؟
والأمم لا تختفي عادةً لأنها هُزمت مرة، بل لأنها اقتنعت أن لا دور لها في تغيير مصيرها.
«إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ».