
حين يتساوى الردع… وتسقط أوهام المنتصر؟!:
من المسلّم به تاريخيًا أن الحروب، مهما اشتد أوارها، تنتهي إلى طاولة التفاوض. لكن مسلّمة أخرى لا تقل رسوخًا تقول إن المنتصر لا يفاوض، بل يُملي شروطه. هذه القاعدة لم تأتِ من فراغ، بل كرّستها تجارب دامغة، أبرزها ما حدث مع ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حين لم يكن هناك تفاوض بقدر ما كان إملاءً قاسيًا لشروط المنتصرين.
غير أن ما نشهده اليوم يخرج عن هذه القاعدة التقليدية. فالمفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة باكستانية في إسلام آباد، لا تحمل سمات المنتصر والمهزوم، بل تعكس حالة نادرة من الندية. نحن أمام طرفين لم يتمكن أي منهما من كسر الآخر، بل نجح كل منهما في ردع خصمه ووضع حدود صلبة أمامه. هذه ليست مفاوضات نهاية حرب، بل مفاوضات توازن قلق، فرضته قوة متبادلة وخوف متبادل.
في هذا السياق، تبدو التحركات العسكرية الأمريكية أقرب إلى الاستعراض منها إلى الفعل الحاسم. المدمرة التي تقدمت من قبالة سواحل الإمارات نحو مضيق هرمز، ثم تلقت تهديدًا مباشرًا من الحرس الثوري الإيراني، لتتراجع دون تحقيق أي مكسب، تطرح سؤالًا فاضحًا: لماذا التقدم إذا كان التراجع هو النهاية؟ هل نحن أمام جس نبض؟ أم أمام ارتباك استراتيجي؟ أم أن الرسالة كانت للاستهلاك الإعلامي أكثر منها للواقع العسكري؟
الأخطر من ذلك هو ما يكشفه هذا السلوك من حدود القوة الأمريكية نفسها. الولايات المتحدة التي اجتاحت العراق عام 2003، وأسقطت نظامه، وأعدمت قياداته في مشهد يتجاوز حتى تقاليد الحروب، استخدمت آنذاك أدوات تدمير هائلة، بما فيها ذخائر ذات تأثير إشعاعي أحدثت دمارًا غير تقليدي. لكنها، في مواجهتها مع إيران، لم تجرؤ على استخدام ذات الأدوات، ولا حتى الاقتراب من مستوى التصعيد ذاته. هذا الفارق ليس تفصيلًا؛ إنه اعتراف ضمني بأن المواجهة مع إيران ليست نزهة، وأن كلفة الحرب هذه المرة قد تكون باهظة إلى حد لا يمكن تحمله.
وهنا تتكثف الأسئلة الصادمة: من هزم من؟ ومن انتصر على من؟ هل يمكن الحديث عن نصر أمريكي في ظل هذا الحذر والتراجع؟ أم أن إيران هي التي فرضت قواعد اشتباك جديدة أجبرت واشنطن على النزول من موقع الإملاء إلى موقع التفاوض؟
لكن السؤال الأكثر قسوة لا يتعلق بواشنطن أو طهران، بل بعرب الخليج. هؤلاء الذين ربطوا مصيرهم، لعقود، بالمظلة الأمريكية، وراهنوا على حمايتها المطلقة، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع مختلف تمامًا. ماذا لو خرجت إيران من هذه المفاوضات وقد فرضت شروطها؟ ماذا لو تكرّس ميزان ردع إقليمي تكون فيه الكلمة العليا لطهران؟
حينها، لن يكون السؤال عن النفوذ فقط، بل عن شكل العلاقة القادمة: هل ستكون علاقة توازن؟ أم هيمنة؟ هل ستتعامل إيران بندية مع جيرانها، أم بمنطق المنتصر الذي انتزع اعترافًا بقوته؟
التاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا يحمي من يسلّم مصيره لغيره. وما يجري اليوم ليس مجرد مفاوضات، بل إعادة رسم لمعادلات القوة في المنطقة. ومن لا يقرأ هذه التحولات بوعي، سيجد نفسه مجرد تفصيل صغير في مشهد يُكتب بدم بارد، وبلا أي اعتبار للأوهام القديمة.
في النهاية، الحقيقة الصادمة التي لا يمكن الهروب منها: حين يتساوى الردع، يسقط وهم المنتصر، ويصبح الجميع أسرى توازن لا يرحم.