
حين يُعاد تشكيل القبح… كيف تُصنع الحقيقة من لغةٍ مقلوبة.
ليست المشكلة في أن الواقع قاسٍ أو جميل، بل في اليد التي تملك حق تسميته. فالكلمات ليست مجرد أوصاف محايدة، بل أدوات سلطة قادرة على إعادة تشكيل الوعي قبل أن يلمس الإنسان جوهر ما يحدث حوله. وهنا تحديداً تبدأ الحكاية التي تلمّح إليها الفكرة: كيف يمكن تبرير القبح على أنه جمال، أو تمرير الفشل على أنه انتصار؟
إن أخطر ما تفعله بعض الخطابات الإعلامية ليس الكذب الصريح، بل القدرة على إعادة تعريف الأشياء. فالإخفاق لا يُقدَّم كإخفاق، بل كـ"تحدٍّ قيد الإنجاز"، والانكسار لا يُقال عنه إنه انكسار، بل "مرحلة انتقالية"، والظلم لا يُعرض كظلم، بل كـ"ضرورة مؤقتة" أو "كلفة لا بد منها". وهكذا، لا يعود الإنسان أمام حقيقة يمكن مواجهتها، بل أمام لغة ناعمة تُطفئ أسئلة الاعتراض قبل أن تولد.
لكن هذه العملية ليست بريئة، لأنها لا تغيّر الواقع بل تغيّر موقع الإنسان منه. حين يُقال للناس إن الألم هو "نجاح مؤجل"، أو إن الخسارة "شكل من أشكال الانتصار"، فإن الهدف ليس التفسير، بل الترويض. تحويل الضحية إلى شاهدٍ مُربك على ما يحدث، لا قادراً على رفضه.
ومع ذلك، لا بد من التفريق بين نوعين من الخطاب: خطاب التفسير، وخطاب التجميل. الأول يحاول فهم التعقيد حتى لو كان قاسياً، أما الثاني فيلغي القسوة من أصلها اللغوي. الأول يقول: هذا فشل ونبحث عن أسبابه، أما الثاني فيقول: ليس فشلاً بل نجاحاً لم يُفهم بعد. الفارق هنا ليس لغوياً فقط، بل أخلاقي ومعرفي في آن واحد.
تفنيد هذا المنطق يبدأ من أبسط نقطة: الواقع لا يتغير بتغيير الاسم. إذا كان هناك ألم، فإعادة تسميته لا تلغيه، وإذا كان هناك خسارة، فإن تزيينها لا يحولها إلى ربح. ما يحدث فعلياً هو تراكم الفجوة بين التجربة الحقيقية واللغة المعلنة عنها، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة الانفصال عن إدراكه الخاص، ويبدأ بالشك في بداهاته لا في الخطاب الذي يوجهه.
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من "التجميل" لا يحمي المجتمع كما يُقال، بل يؤجل لحظة المواجهة مع الحقيقة. فالقبح الذي لا يُسمّى باسمه يبقى يعمل في الظل، ويتضخم بصمت، بينما يظن الناس أنهم تجاوزوه فقط لأن اللغة منحتهم هذا الوهم.
في النهاية، ليست المعركة مع الجمال أو القبح بحد ذاتهما، بل مع الحق في تسميتهما. لأن أول خطوة في أي وعي حقيقي هي أن نجرؤ على قول ما نراه كما هو، لا كما يُراد لنا أن نراه.