--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يُعاد تشكيل الذاكرة... صراع الأسماء ومعركة الوعي

Salah Kirata • ٢٦‏/٤‏/٢٠٢٦

25534.jpg


حين يُعاد تشكيل الذاكرة...
صراع الأسماء ومعركة الوعي:

في كل مجتمع، لا تُختزل الهوية في الحدود الجغرافية أو في المؤسسات السياسية وحدها، بل تمتد جذورها الأعمق إلى الذاكرة الجمعية، إلى الرموز التي تتداولها الأجيال جيلاً بعد جيل، وإلى الأسماء التي تتحول مع الزمن من مجرد إشارات تعريف إلى علامات دالة على تاريخ مشترك وتجربة وطنية كاملة. ومن هنا، فإن العبث بهذه الرموز، أو إعادة تشكيلها بما يتوافق مع مزاج سياسي أو أيديولوجي ضيق، لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراءً إدارياً بسيطاً، بل هو فعل يمسّ البنية العميقة للوعي الاجتماعي نفسه...

إن تغيير أسماء الرموز الوطنية الشهيرة واستبدالها بأسماء جديدة تُفصَّل على مقاس رؤية سياسية محددة، يمثل نوعاً من "إعادة هندسة الذاكرة"،وهو ليس تحديثاً بريئاً كما قد يُراد تصويره، بل هو في جوهره محاولة لإعادة توجيه الوعي الجمعي، عبر إعادة تعريف ما يستحق أن يُتذكر وما يجب أن يُنسى. وهنا تكمن الخطورة: حين تُختزل الذاكرة الوطنية في زاوية إيديولوجية واحدة، فإنها تفقد تعدديتها، وتتحول من فضاء جامع إلى ساحة إقصاء رمزي ناعم..

الرموز الوطنية لا تنشأ بقرار سياسي، بل تتشكل عبر الزمن، عبر التجربة، وعبر قبول اجتماعي واسع يجعل منها جزءاً من الحياة اليومية واللغة العامة والوجدان الشعبي، ولذلك، فإن محاولة إعادة تسميتها لا تعني فقط تغيير لافتة أو اسم شارع أو ساحة، بل تعني المساس بطبقة عميقة من الذاكرة المشتركة، وإعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع وتاريخه على أساس انتقائي...

إن أخطر ما في هذا النهج أنه يفتح الباب أمام تسطيح الوعي العام، إذ يُدفع المجتمع تدريجياً إلى استهلاك تاريخ مُعاد صياغته، لا يعكس تعددية التجربة الوطنية ولا تعقيدها، بل يقدم نسخة مبسطة، مصفاة، وموجهة، ومع مرور الوقت، يتآكل الإحساس بالتعدد داخل التاريخ، ويُستبدل بسردية واحدة تُقدَّم بوصفها الحقيقة الكاملة، بينما هي في الواقع جزء من الحقيقة لا كلها...

التاريخ، بطبيعته، ليس ملكاً لسلطة واحدة، ولا يمكن احتكاره سياسياً دون أن يفقد جوهره، فكل محاولة لإعادة تشكيله قسراً عبر الرموز والأسماء هي في النهاية محاولة لإعادة تشكيل الوعي نفسه، لكن الوعي الجمعي أكثر تعقيداً من أن يُختصر في مشروع أيديولوجي، وأكثر صلابة من أن يُعاد بناؤه بمجرد تغيير المسميات...

إن الحفاظ على الرموز الوطنية كما تشكلت في الوجدان العام لا يعني تقديسها أو تجميدها، بل يعني احترام مسارها التاريخي الطبيعي، وتركها تعيش في سياقها الذي أنتجها، فالأمم لا تُقاس فقط بما تغيّره، بل أيضاً بما تحافظ عليه من ذاكرتها، وبقدرتها على التعامل مع تاريخها بوصفه ملكاً مشتركاً لا ساحة صراع سياسي دائم.

في النهاية:
يمكن القول إن معركة الأسماء ليست معركة شكلية، بل هي في جوهرها معركة على الوعي ذاته وهنا اسأل وأتساءل :
-هل يُسمح للتاريخ أن يبقى فضاءً مفتوحاً ومتعدداً، أم يُختزل في رواية واحدة تُعيد إنتاج نفسها عبر الرموز واللافتات؟..
 والإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد، في العمق، شكل العلاقة بين المجتمع وتاريخه، وبين الذاكرة والسلطة.