
حين يُدار الانتصار كالهزيمة، سيناريو لبناني يتشكل في الظل:
قال لي مصدر لبناني خاص ومطّلع على بعض ما يدور في الكواليس السياسية والأمنية في بيروت إن ما يُسوَّق اليوم في لبنان على أنه انتصار للدولة و«حزب الله» ليس سوى بداية مرحلة مختلفة تمامًا عمّا يعتقده كثيرون. فالمشهد، كما يراه، يتشكل بهدوء خلف الضجيج الإعلامي، حيث تُصاغ ترتيبات جديدة قد تغيّر شكل المعادلة اللبنانية برمّتها.
يقول المصدر إن ما جرى في الجنوب يُقدَّم للرأي العام بوصفه إنجازًا أو تثبيتًا للردع، لكن القراءة الواقعية لما حدث تشير إلى أن الميدان تغيّر بطريقة عميقة. فالقصة، في نظره، ليست بضعة صواريخ «فرقيع» أُطلقت هنا أو هناك، بل تحوّل في قواعد الانتشار والسيطرة، حيث انتقلت الأمور من الحديث عن خمس نقاط مراقبة أو وجود محدود إلى ما يقارب ثماني عشرة نقطة، في تطور يراه كثيرون تمهيدًا لمرحلة أكثر تعقيدًا.
وفي هذا السياق يضيف المصدر، بنبرة لا تخلو من التشاؤم، أن الخطوة التالية في هذا المسار قد تعني تقدّمًا ميدانيًا أعمق في الجنوب اللبناني، إلى حدّ أن الحديث في بعض الأوساط بات يتناول سيناريو وصول الدبابات إلى تخوم مدن رئيسية مثل صيدا. ليس لأن هذا الأمر حتمي بالضرورة، بل لأن ميزان القوى في الميدان قد يدفع باتجاه فرض وقائع تدريجية لا يستطيع أحد وقفها بسهولة.
لكن التحول الأخطر، في رأيه، لن يكون عسكريًا بقدر ما سيكون سياسيًا ودستوريًا. فالتفاوض، إذا فُرض لاحقًا، لن يتم بالطريقة اللبنانية التقليدية التي عرفها البلد طوال عقود، حيث تُدار الملفات الكبرى عبر ممثلين عن الطوائف أو وسطاء يعيّنهم زعماء الطوائف.
بل إن ما يُحضَّر، بحسب المصدر، هو إطار تفاوضي رسمي صرف: قرار حكومي، ووفد رسمي يقوده وزير الخارجية ورئيس الحكومة، بعيدًا عن تلك الصيغ الطائفية التي كانت تحكم إدارة الأزمات في لبنان. بعبارة أخرى، قد يجد لبنان نفسه أمام مسار سياسي يفرض اتفاقات كبرى لا تُدار بمنطق الزعامات الطائفية.
ويذهب المصدر أبعد من ذلك حين يقول إن بعض السيناريوهات المطروحة في الكواليس تتحدث عن احتمال أن يقود هذا المسار في نهاية المطاف إلى اتفاقات سياسية كبرى قد تصل إلى حدود اتفاق سلام مفروض بحكم موازين القوى، وليس نتيجة تفاوض متكافئ كما يتخيل البعض.
وفي خلفية كل ذلك يلوح احتمال تغيير أعمق في النظام اللبناني نفسه. فمرحلة ما بعد اتفاق الطائف، التي قامت على توازنات الحرب الأهلية وزعاماتها، تبدو بالنسبة لكثيرين مرحلة آخذة في الأفول. وإذا استمرت التطورات في هذا الاتجاه، فإن النظام السياسي الذي حكم لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية قد يجد نفسه أمام مراجعة جذرية، وربما نهاية تدريجية لما يسميه المصدر «زمن زعماء الحرب والأحزاب التقليدية».
غير أن الكلفة الإنسانية لهذا المسار قد تكون قاسية للغاية. فالتطورات الميدانية، كما يتوقع المصدر، قد تقود إلى موجات تهجير جديدة داخل لبنان، وإلى عمليات إخلاء في مناطق كانت توصف سابقًا بالآمنة. ومع تصاعد التهديدات الأمنية، قد يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع يتسع فيه نطاق النزوح والتشرد، وتزداد فيه المخيمات والخيم المؤقتة.
أما على الحدود الشرقية، فيرى المصدر أن التطورات في سوريا لن تلعب دور المنقذ كما يتصور البعض. فالوضع هناك، بحسب تقديره، لن يسمح بفتح مسارات دعم حقيقية للبنان. وحتى إذا فُتحت الحدود لاحقًا، فإن الهدف قد لا يكون دعم الداخل اللبناني بقدر ما قد يكون تسهيل انتقال موجات جديدة من السكان إلى خارج البلاد.
ويختم المصدر تحليله بإشارة تاريخية لافتة. فالمشهد، في رأيه، يذكّر إلى حد كبير بسيناريو خروج ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982، حين انتهت المواجهة بتسليم السلاح وخروج القوة العسكرية الأساسية من لبنان. وهو لا يجزم بأن التاريخ سيعيد نفسه حرفيًا، لكنه يرى أن ملامح السيناريو تبدو مألوفة إلى حد مقلق.
قد يكون هذا التقدير صحيحًا أو مبالغًا فيه، وقد تكشف الأيام أنه مجرد قراءة متشائمة لمستقبل مجهول. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن لبنان يقف مرة أخرى على حافة تحوّل كبير، وأن ما يجري في الجنوب ليس مجرد جولة عسكرية عابرة، بل حلقة في صراع طويل قد يعيد رسم حدود السياسة والنظام والدولة في هذا البلد الصغير المثقل بتاريخ الحروب.