
حين يُغتال الدين باسم الدين، من خراب المعنى إلى خراب الأوطان:
لطالما قلت، وما زلت مقتنعًا حتى اليقين، أن الإسلام لم يُسَأ إليه من “أعدائه” بقدر ما أُسيء إليه من إسلامييه ومتأسلميه. فهؤلاء لم يكتفوا بتشويه صورة الدين في أعين الآخرين، بل صادروا حق الناس في فهم دينهم بأنفسهم، واحتكروا الحديث باسمه، وحوّلوا الإيمان من تجربة روحية وأخلاقية فردية إلى بطاقة عضوية في جماعة مغلقة: من دخلها صار “مؤمنًا صحيحًا”، ومن خرج عنها صار مشروع خيانة أو تكفير أو استباحة.
وهنا تكمن الجريمة الأعمق: حين يتحوّل الدين إلى ملكية حصرية لحفنة من المؤدلجين، لا يعود دينًا بالمعنى الإنساني أو الحضاري، بل نسخة مشوّهة تُدار بعقلية الميليشيا ومنطق الغلبة، وتُسوّق للعالم على أنها “الدين الحقيقي”، بينما هي في جوهرها مشروع سلطة بلبوس ديني.
المصيبة الأكبر أن هذه الجماعات، وهي في معظمها من المغيّبين أو من يغيّبون غيرهم، لا تزال تردّد أن “الآخر” هو من يستهدف الإسلام. والحقيقة المرّة أن هذا “الآخر” – لو افترضنا حتى سوء نيّته – لا يحتاج أن يفعل شيئًا؛ فالصورة التي أنتجها الإسلاميون والمتأسلمون عن دينهم كافية لطرد أي تعاطف إنساني، وأي فضول معرفي، وأي احترام محتمل. لقد قدّموا الإسلام للعالم كدين حرب لا كقيمة حياة، كهوية صدام لا كأفق أخلاقي، كراية للقتل لا كمساحة للعدل والرحمة. وبذلك لم يتركوا حتى فرصة للتدخل الخارجي كي يُتّهم بالخراب، لأن الخراب سبق كل تدخل، وتحول إلى مشهد داخلي يُبثّ يوميًا باسم “نصرة الدين”.
هذا المعنى بالذات هو ما تجلّى بوضوح في الحالة السورية مع ، ومع الجماعات المتطرفة الراديكالية التي أتت – من حيث النتيجة لا الشعار – على يمين الصهيونية في إهانة سورية والسوريين. هؤلاء الذين أسميتهم منذ البدايات “جماعة أحمدنا”، لم يكونوا مجرّد جمهور متحمّس أو بيئة حاضنة عاطفية، بل كانوا ماكينة إقصاء وتخوين وتشويه لأي معنى وطني مستقل. وأقسم بالله أن يقيني راسخ بأن من أبعد غالبية الوطنيين السوريين عن أحمد الشرع وهيئته ومن دار في فلكها من جماعات جهادية شاركت في مسرحية الصعود والسقوط يوم 8/12/2024، لم يكن فقط تاريخ الرجل الجهادي وفق العرف الدولي، بل هذه الشرذمة المغيّبة التي مثّلته أسوأ تمثيل، وكان أثرها أكبر بكثير من ماضيه نفسه.
تجربة أحمد الشرع هنا ليست استثناءً، بل نموذج مكثّف لطريقة اشتغال الإسلام السياسي الجهادي حين يُتاح له أن يقدّم نفسه كبديل أو كمنقذ. المشكلة لم تكن فقط في “ماضٍ” يُفترض أنه انتهى، بل في “حاضر” حاول أن يعيد تدوير نفسه سياسيًا، بينما تُركت القاعدة الاجتماعية والأيديولوجية على حالها: جمهور متديّن بالولاء لا بالقيم، ومشحون بعقيدة تعتبر كل وطني مستقل أو عقل نقدي “خصمًا” أو “عائقًا أمام المشروع”.
وهكذا تحوّلت أي محاولة لإعادة التموضع السياسي إلى مسرحية مكشوفة، لأن البيئة نفسها كانت تُفشل أي فرصة لتصديق التحوّل أو الرهان عليه. فالمشكلة لم تكن في القناع الجديد، بل في الوجوه التي تصرّ على ارتداء العقلية القديمة تحته: عقلية الوصاية، ومنطق “نحن الفرقة الناجية والبقية إمّا أدوات أو أعداء”.
الأخطر من كل ذلك أن الإسلاميين والمتأسلمين لم يدمّروا أوطانًا فحسب، بل دمّروا المعنى نفسه: معنى التدين، ومعنى الانتماء، ومعنى الوطنية، ومعنى المقاومة، ومعنى الحرية. وحين يُفرّغ المعنى من محتواه، لا يبقى أمام الناس سوى خيارين كلاهما مرّ: إمّا الانسحاب من المجال العام كليًا، أو الارتماء في أحضان أي “آخر” يبدو أقل قبحًا من القبح المحلي. عندها لا يعود السؤال: لماذا يتدخل الخارج؟ بل لماذا يهرب الداخل من ذاته؟
الخطر الحقيقي ليس في عدوّ مفترض يتربّص بنا من الخارج، بل في جماعات تدّعي أنها تحمي الدين بينما تحوّله إلى جثة أخلاقية هامدة، وتدّعي أنها تحرّر الوطن بينما تصادر معناه، وتزعم أنها تمثّل الناس بينما تنفّر الناس منها. وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، لا يعود الصراع بين “دين” و”آخر”، بل بين الحياة نفسها وبين كل من قرّر أن يحكمها بعقلية القبر.