
حين يُغتال الإنسان باسم الفضيلة
ليس أكثر إيلامًا من أن يتحوّل مشهدٌ إنسانيٌّ خالص، وُلِد من رحم الألم والحنان، إلى ساحةٍ لمحاكماتٍ أخلاقية باردة. امرأةٌ تُواسي قريبًا منكوبًا بصوتها، تُرمِّم بالصدى ما هدمته الحياة، وتمنح باللحن ما عجزت اللغة عن منحه؛ فإذا بجماعةٍ من الناس لا ترى في المشهد وجعه ولا رقّته، بل تنشغل بتفتيش المرأة نفسها: هل يجوز أن تغنّي؟ هل يجوز أن يُسمع صوتها؟ وهل كان الأجدر بها أن تستبدل الحنان بتلاوةٍ، والعاطفةَ بواجبٍ يُملى عليها من الخارج؟
في تلك اللحظة لا يكون السؤال الحقيقي عن المرأة، بل عنّا نحن: كيف وصل بعضنا إلى هذه الدرجة من الجفاف الوجداني؟ كيف أصبح الإنسان العربي، في بعض تمثلاته، قادرًا على رؤية الألم دون أن يتألم، وعلى سماع الحزن دون أن يهتز، ثم يجد في نفسه فائضًا من الطاقة ليمارس الوصاية على الضحية بدل أن يواسيها؟
ليست المشكلة هنا في التدين، فالتدين في جوهره توقٌ إلى السمو، وارتقاءٌ بالنفس نحو المعنى، وتربيةٌ على الرحمة قبل الأحكام. المشكلة تبدأ حين يُختطف الدين من مجاله الأخلاقي الرحب، ويُعاد تشكيله بوصفه منظومة مراقبة يومية، لا تهتم بما يعتمل في القلوب بقدر ما تنشغل بما يظهر على الوجوه. عندها يصبح الإنسان موضوعًا للتفتيش، لا كائنًا جديرًا بالفهم.
هذا التحوّل لم يصنعه الدين، بل صنعته قراءات ضيقة اختزلت الإيمان في المظهر، والفضيلة في المنع، والتقوى في الارتياب الدائم. قراءاتٌ أقامت جدارًا بين الإنسان وفطرته، فصار يخجل من عاطفته، ويرتاب من الجمال، ويخاف من كل ما لا يمكن ضبطه بنصٍّ مبتور أو حكمٍ مبتسر.
من هنا نفهم كيف يُصبح صوت امرأةٍ مناسبةً للغضب، بينما تمرّ المآسي الكبرى بلا أثر. كيف يشتعل الجدل حول هيئةٍ أو لحنٍ أو تهنئة، فيما يُترك الظلم الحقيقي، والعدوان الحقيقي، وانتهاك الكرامة الإنسانية، في آخر سلّم الأولويات. ذلك لأن العقل الذي يُدرَّب طويلًا على مراقبة التفاصيل الصغيرة، يفقد تدريجيًا القدرة على رؤية الصورة الكبرى.
إنّ أخطر ما في هذا النمط من التفكير أنّه لا يقتل الفرح فقط، بل يقتل القدرة على التذوق الإنساني. يجرّد الإنسان من حقّه في أن يبكي بطريقته، وأن يحبّ بطريقته، وأن يواسي بطريقته. وكأنّ المشاعر نفسها تحتاج إلى إذنٍ مسبق، وكأنّ القلب لا يحقّ له أن ينبض إلا وفق لائحة تعليمات.
وحين تُحاصَر العاطفة، يُحاصَر معها الفن. وحين يُدان الجمال، يُدان معه الخيال. لذلك لم يكن غريبًا أن يصبح الشعر موضع شبهة، والموسيقى موضع تهمة، والابتسامة أحيانًا موضع تساؤل. لأنّ كل منظومة تخاف من الإنسان الحر، تبدأ عادةً بالخوف من الأشياء التي توسّع داخله: الفن، الأدب، السؤال، والدهشة.
إنّ الأمم لا تنهض بالقلوب اليابسة، ولا تُبنى بالعقول التي تُجيد التحريم أكثر مما تُجيد الفهم. تنهض حين يصبح الإنسان غايةً لا وسيلة، وحين تُستعاد الرحمة إلى مركز الوعي، لا إلى هامشه.
ربما كان أخطر ما أصابنا في العقود الأخيرة أنّ كثيرين باتوا يظنون القسوة فضيلة، والعبوس ورعًا، والتضييق حراسةً للأخلاق. مع أنّ الأخلاق الحقيقية تبدأ من القدرة على رؤية الإنسان في ضعفه، لا من محاكمته في هشاشته.
فحين تعجز عن فهم امرأةٍ تُغنّي لتخفّف ألمًا، فالمشكلة ليست في صوتها؛ المشكلة في الصمت الذي أصاب قلبك.