
حين يُهزم الداخل قبل الحدود:
ليست الهزائم الكبرى في تاريخ الدول نتاج تفوق عسكري مفاجئ بقدر ما هي انعكاس لتصدعات داخلية عميقة. فالدولة التي تمتلك تماسكًا اجتماعيًا حقيقيًا، وثقة متبادلة بين شعبها ومؤسساتها، تجعل من اختراقها أمنيًا مهمة شديدة التعقيد، إن لم تكن مستحيلة. أما حين تتآكل هذه الثقة، فإن أخطر الأبواب تُفتح من الداخل، وغالبًا دون حاجة إلى كسرها من الخارج...
في التجربة السورية، شكّلت مرحلة ما بعد حرب 1948 بيئة شديدة الحساسية أمنيًا، ومع ذلك بقيت البنية المجتمعية متماسكة إلى حدّ كبير، وكان الشعور الجمعي بالخطر الخارجي عامل توحيد حقيقي. لكن التحولات التي شهدتها البلاد لاحقًا، خصوصًا بعد وثوب الحزب للسلطة في الثامن من آذار 1963، حيث دخلت المؤسسة العسكرية والسياسية في حالة استقطاب حاد، ومع تراجع الانسجام الداخلي، برزت واحدة من أشهر حالات الاختراق في تاريخ المنطقة عبر شخصية إيلي كوهين، الذي استطاع التغلغل في دوائر حساسة داخل السلطة، مستفيدًا من الانقسامات والصراعات بين مراكز القوى.
هذه الحادثة لم تكن مجرد نجاح استخباراتي معزول، بل مؤشرًا على خلل أعمق: حين ينقسم النظام على نفسه، تصبح أجهزته عرضة للاختراق، بل وقد تتحول بعض أطرافه – بوعي أو دون وعي – إلى قنوات لتسريب المعلومات، وهو ما تؤكده دراسات عديدة في علم الأمن السياسي، حيث يُنظر إلى (الاختراق الداخلي) كأخطر من أي تهديد خارجي مباشر.
وربما يكون الاختراق الاقوى والأخطر هو اختراق سورية كل سورية من قبل آل الأسد الذين وكمحصلة حرقوا البلد بعد أن نهبوها بشكل مبرمج على مدار مازاد من نصف قرن بعد أن اختطفوا الطائفة العلوية واستثاروا غرائز بسطائها واشتروا ذمم بعض من رجالاتها فكان لهم ومن خلال اختطاف الطائفة أن اختطفوا الحزب والجيش ومن خلال الثلاثي تم اختطاف الوطن بكامله.
هذا النمط من السيطرة لم يقتصر على احتكار السلطة، بل تجاوزه إلى إعادة تشكيل الدولة نفسها بحيث تصبح مؤسساتها أدوات بيد شبكة ضيقة، لا تعكس مصالح المجتمع بقدر ما تحمي بقاءها، وعندما تحولت الدولة إلى ملكية مغلقة، فقدت تدريجيًا قدرتها على حماية نفسها، لأن الولاء فيها اصبح شخصيًا لا وطنيًا، والقرار الأمني يتحول إلى أداة صراع داخلي لا درعًا ضد الاختراق الخارجي...
وكي أوضح فكرتي استأنس بنماذج معاصرة، لنلاحظ أن عمليات الاغتيال الدقيقة التي استهدفت شخصيات بارزة في كل من إيران ولبنان خلال السنوات الأخيرة تعكس نمطًا مشابهًا. اغتيال شخصيات مثل قاسم سليماني أو حسن نصر الله واخيرا المرشد الأعلى خامنئي لا يمكن تفسيره فقط بالتفوق التكنولوجي، بل يشير أيضًا إلى وجود ثغرات بشرية ومعلوماتية عميقة. فالاستخبارات الحديثة، مهما بلغت دقتها، تحتاج دائمًا إلى “عين على الأرض” أو تسريب من الداخل...
في لبنان، يعاني حزب الله من فجوة متزايدة بينه وبين قطاعات واسعة من المجتمع، نتيجة تورطه في صراعات إقليمية وتداعيات اقتصادية داخلية، هذه الفجوة تُضعف البيئة الحاضنة، وتجعل من الصعب تأمين الغطاء الشعبي اللازم للحماية، وفي إيران، يواجه نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحديات داخلية متصاعدة، من احتجاجات شعبية إلى صراعات داخل النخبة، ما يخلق بيئة خصبة للاختراقات الأمنية، بما في ذلك استهداف علماء ومواقع حساسة في البرنامجين العسكري والنووي...
عموماً:
التاريخ السياسي يقدم قاعدة شبه ثابتة تقول:
كلما تراجعت شرعية السلطة في نظر شعبها، تراجعت قدرة هذا الشعب على الدفاع عنها، سواء بالصمت أو بالفعل، وحين يصل الأمر إلى حدّ اللامبالاة أو حتى التمني الضمني بزوال النظام، تصبح الأجهزة الأمنية مكشوفة، لأن الحاضنة الاجتماعية – وهي خط الدفاع الأول – لم تعد موجودة.
من هنا، يمكن فهم التقدم الكبير الذي حققته أجهزة مثل الموساد ووكالة المخابرات المركزية في حروب الظل. فنجاحها لا يعتمد فقط على قدراتها التقنية، بل على استثمارها في هشاشة الخصوم من الداخل: انقسامات، فساد، قمع، وفقدان ثقة...
المفارقة أن كثيرًا من الأنظمة التي ترفع شعار (المواجهة مع الخارج) تسهم، بسياساتها القمعية أو الإقصائية، في تآكل الجبهة الداخلية التي يُفترض أن تحميها. وهنا يستعيد التاريخ صوته، حين كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته بأن الحصون لا تُحمى بالجدران، بل بالعدل. هذه الحكمة، رغم بساطتها، تختصر معادلة الأمن الوطني: لا يمكن تحصين الحدود إذا كانت الجبهة الداخلية متصدعة...
باختصار:
لا تسقط الدول حين تتكاثر عليها العيون الخارجية فقط، بل حين تفقد قدرتها على حماية نفسها من الداخل. وما يبدو كنجاح استخباراتي خارجي هو في جوهره انعكاس لفشل داخلي سابق عليه...
(كون الهزيمة، في كثير من الأحيان، تبدأ من حيث لا يُرى).