--:--
تقارير عن ضغوط أمريكية مزعومة على عُمان تفتح جدلاً حول تصعيد جديد في الخليج "إسرائيل اليوم": واشنطن تمسك بخيوط القرار… وترامب يقلّص هامش استقلالية إسرائيل السياسية كشفت القناة 12 عن توتر بين ترامب ونتنياهو بسبب لبنان وإيران، حيث حذر ترامب من تصعيد ضد بيروت، مع مخاوف من تعطيل المفاوضات مع إيران وضغوط أمريكية لتقييد التحرك الإسرائيلي. أدى تصاعد الاستهدافات إلى سقوط ضحايا ووجود مفقودين تحت الأنقاض، مع انقطاع الاتصالات عن مناطق عدة، ما تسبب بعزل قرى كاملة وغياب أي معلومات مؤكدة عن مصير العائلات حتى الآن. تشير تقارير إلى وساطة تركية غير معلنة بين حزب الله والنظام السوري الجديد، مع ملاحظة تراجع حدة خطاب الحزب تجاه دمشق دون تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية.

حين يُهزم الطاغية ويُترك الناس للسوق

Salah Kirata • ٢٣‏/٥‏/٢٠٢٦

37627.jpg

حين يُهزم الطاغية ويُترك الناس للسوق:

حين يتحول الخلاص السياسي إلى عبء اقتصادي؟!

في اللحظات الكبرى من تاريخ الشعوب، لا تُقاس الانتصارات بما يُرفع من شعارات، ولا بما يُهدم من تماثيل، بل بما يشعر به الناس في خبزهم ومائهم وقدرتهم على العيش بكرامة. فالجائع لا يأكل من الخطب، والفقير لا يدفأ بالشعارات، والمواطن لا يقيس الحرية بارتفاع الأعلام بل بانخفاض الخوف وارتفاع العدالة.

وقد بدا لكثيرين أن لحظة الخلاص من الطغيان كانت لحظة ولادة جديدة، وأن إسقاط الوحش يعني تلقائياً فتح أبواب العدالة والكرامة والرخاء. وكان الفرح مفهوماً؛ فسنوات القهر الطويلة تجعل الناس تميل إلى تصديق أن نهاية المستبد هي بداية الخلاص الكامل. لكن السياسة، كما يعلمنا التاريخ، أكثر قسوة من الأمنيات، وأكثر تعقيداً من لحظة الانتصار.

مرّ وقت قصير حتى بدأت الأسئلة الثقيلة بالظهور: أي اقتصاد يُبنى؟ وأي دولة تُراد؟ وأي إنسان سيكون مركز هذا المشروع الجديد؟

ما ظهر في الواقع – وفق هذا النقد – ليس مشروعاً يعيد توزيع الفرص ويخفف الفقر ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، بل اتجاهاً نحو أكثر أشكال الليبرالية الاقتصادية قسوة: رفع للأسعار، تقليص للدعم، تحميل الناس كلفة إعادة البناء قبل أن يحصلوا على ثمارها، وكأن المطلوب من المواطن الذي خرج من تحت الأنقاض أن يدفع أيضاً فاتورة الخروج.

وهنا لا يعود السؤال اقتصادياً فقط، بل أخلاقياً وفكرياً أيضاً.

حين يُقال للناس إن هذا المسار ضرورة، أو إنه قدر السوق، أو إنه الطريق الوحيد، يحق لهم أن يسألوا: هل العدالة الاجتماعية أصبحت تهمة؟ وهل الدفاع عن حق الناس في الماء والخبز والدواء صار بدعة؟ وهل السوق الحرة عقيدة منزلة لا يجوز الاقتراب منها؟

والأشد إرباكاً أن هذا التحول يُقدَّم أحياناً بلغة أخلاقية أو دينية، وكأن إفقار الناس امتحان فضيلة، وكأن رفع أسعار الضروريات إصلاح، وكأن ترك الفئات الأضعف لمصيرها يدخل في باب الحكمة الاقتصادية.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً إلى أولئك الذين شغلوا منابر الفتوى والخطاب الديني، وكان لهم رأي حاسم في قضايا الفكر والسياسة والاقتصاد: ما موقع العدالة الاجتماعية في الفقه السياسي الإسلامي؟ وهل قامت دولة المدينة على إطلاق السوق بلا ضوابط؟ أم أن التراث الإسلامي – في كثير من محطاته – عرف مسؤولية الدولة عن حماية الضعفاء ومنع الاحتكار وضمان حد الكفاية؟

إن الناس لا تطلب المستحيل، ولا تطلب معجزات. لكنها تسأل سؤالاً بسيطاً: إذا كان التغيير لا يحسّن شروط الحياة، وإذا كانت الحرية تأتي محمولة على فواتير أثقل، وإذا صار الماء والملح والكلأ أبعد من متناول الناس، فما الفرق بين عهد يرهق الناس باسم الأمن، وآخر يرهقهم باسم الاقتصاد؟

ليس المطلوب إدانة مسبقة، ولا تقديساً لأفكار اقتصادية بعينها، بل إعادة الاعتبار إلى مبدأ بسيط: أن الإنسان ليس رقماً في معادلة السوق، وأن الدولة ليست شركة، وأن العدالة ليست شعاراً موسمياً يُرفع ثم يُنسى بعد الوصول إلى السلطة.

تكلموا إذن… ليس دفاعاً عن سلطة ولا خصومة معها، بل دفاعاً عن معنى السياسة نفسه: أن يكون الحكم وسيلة لحماية الناس، لا اختباراً لقدرتهم على الاحتمال.