
حين يُختَطَف الإله… ويُختَزَل الدين في يد بشرٍ نصّبوا أنفسهم قضاةً على العباد :
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
في كل مرة يظهر فيها خطابٌ دينيّ متشنّج، يتقدّم بثقةٍ مريبة وكأنه يحمل مفاتيح الحقيقة المطلقة، لا يعود الخلاف بين الناس مجرد اختلاف في الفهم أو الاجتهاد، بل يتحوّل إلى ساحة فرزٍ قاسٍ تُوزَّع فيها صكوك الإيمان والكفر وكأنها بطاقات دخول إلى الجنة والنار.
الأخطر في هذا النمط من التفكير أنه لا يكتفي بقراءة النصوص، بل يعيد إنتاجها داخل قوالب ضيقة، ثم يفرضها على العالم باعتبارها “الحقيقة الوحيدة”، وما عداها انحرافٌ أو خيانة أو خروج عن الدين. وهكذا يتحول الدين—في أيدي هؤلاء—من دعوةٍ رحبة إلى الله، إلى جهاز تصنيفٍ اجتماعي، ومن رسالة رحمة إلى منظومة إقصاءٍ لا تعرف إلا الأبيض والأسود.
هنا تحديداً تبدأ الكارثة: حين يتقمّص الإنسان دور الإله، فيتحدث باسم الغيب، ويحكم على القلوب، ويزعم امتلاك مفاتيح المصير الأبدي للناس. يصبح السؤال جريمة، والتفكير تهديداً، والاختلاف خطراً وجودياً يجب سحقه لا فهمه.
هذا العقل لا يعيش على البرهان، بل على اليقين المصنوع. لا يقبل النقاش لأنه لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الانتصار. يختار من التراث ما يخدم سلطته المعنوية، ويُقصي كل ما يهزّ صورته عن نفسه. وحين يعجز عن الإقناع، يلجأ إلى أخطر أدواته: التخويف، ثم التخوين، ثم التكفير.
لكن المفارقة الفاضحة أن هذا الخطاب لا يصمد خارج حدوده. فهو متشدد في الحكم على الآخرين، مرنٌ إلى حد التناقض حين يتعلق الأمر بذاته أو بجماعته. ما يُحرَّم على الناس يُعاد تفسيره، وما يُغلَّظ به على الخصوم يُخفَّف عند الحاجة، وكأن النصوص الإلهية تتغير بحسب موقع المتحدث لا بحسب معناها.
إنه ليس التزاماً بالدين بقدر ما هو توظيفٌ للدين. ليس بحثاً عن الحق، بل صناعةٌ للسلطة باسم الحق. وحين تتحول الفتوى إلى سلاح، يفقد العلم حياده، وتفقد العبادة معناها، ويصبح الإنسان مجرد هدفٍ في معركة لا يعرف قواعدها إلا من نصب نفسه حكَماً وجلاداً في آنٍ واحد.
والأدهى من ذلك أن هذا الخطاب لا يرى في الناس بشراً مختلفين، بل “كتلاً عقائدية” جاهزة للتصنيف. من ليس معنا فهو ضدنا، ومن لا يردد خطابنا فهو خارج الجماعة، ومن تجرأ على السؤال فقد فتح باب الهلاك على نفسه. هكذا تُختزل الإنسانية في معادلة ضيقة لا مكان فيها للعقل ولا للرحمة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تهاجم الدين من الخارج، بل تلبسه من الداخل. تتكلم باسمه، وتحتكر تفسيره، ثم تقدمه للناس كأنه الدين ذاته، بينما هو في حقيقته قراءة بشرية متشددة ومحدودة، لا تمتلك قداسة النص ولا رحابة الوحي.
الدين الذي جاء ليحرر الإنسان من عبودية الإنسان، يُعاد استخدامه اليوم لإنتاج عبودية جديدة؛ عبودية الفكر الواحد، والرأي الواحد، والحكم الواحد، الذي لا يُسأل ولا يُراجع ولا يُناقش.
ومتى ما سُمح لعقلٍ بشري أن يختزل رحمة الله في دائرة ضيقة، وأن يحكم على مصائر الخلق وكأنه الشريك الخفي في القضاء الإلهي، فإننا لا نكون أمام تدينٍ، بل أمام انحرافٍ خطير في فهم معنى الدين ذاته.
ليس المطلوب من الناس أن يتشابهوا، ولا أن يُسلموا عقولهم لوسيطٍ يحتكر الحقيقة، بل المطلوب أن يبقى السؤال مفتوحاً، وأن يبقى الميزان هو العدل والبرهان، لا الصوت الأعلى ولا الادعاء الأكثر صخباً.
فالله لم يوكّل أحداً أن يكون وصياً على عباده، ولم يمنح أحداً وكالةً حصرية على الإيمان، ولم يجعل من البشر قضاةً على القلوب.
وحين ينسى البعض هذه الحقيقة، ويصعدون فوق مقام البشر ليجلسوا على عرش الحكم الإلهي، فإنهم لا يحمون الدين، بل يشوّهونه. ولا يدافعون عن العقيدة، بل يحولونها إلى أداة قمع، تقتل في الإنسان حقه في أن يفكر، وأن يختلف، وأن يكون إنساناً قبل أن يكون تابعاً.
ويبقى السؤال الذي لا مفر منه: من الذي منح هؤلاء حق امتلاك الحقيقة المطلقة؟ ومن الذي فوّضهم بإصدار أحكام الخلود على الناس؟
لا أحد. سوى أوهام السلطة حين تتخفى بلباس الدين.