
حين يُختَزَل الوطن إلى مزرعة :
في اللحظة التي يبدأ فيها البعض بالتعامل مع الوطن كما لو أنه “مزرعة خاصة”، نفقد المعنى الأعمق لفكرة الوطن نفسها. الوطن ليس قطعة أرض تُقسَّم بين ورثة، ولا غنيمة تُوزَّع على من يملك القوة أو النفوذ، بل هو عقد أخلاقي غير مكتوب بين أناس مختلفين، يجمعهم حق متساوٍ في الكرامة والانتماء والفرص.
حين تتحول الدولة إلى ملكية ضمنية لفئة بعينها، يتبدل شكل السلطة من خدمة عامة إلى إدارة مصالح خاصة. يصبح القرار السياسي امتدادًا لحسابات ضيقة، وتتحول الوظيفة العامة إلى مكافأة ولاء، وتُختزل القوانين إلى أدوات انتقائية تُطبَّق على الضعفاء وتُعلَّق عند الأقوياء. هنا لا يعود المواطن يرى في الدولة مظلة عدالة، بل بوابة مغلقة لا تُفتح إلا لمن يملك المفتاح الصحيح.
هذا السلوك لا يدمّر العدالة فقط، بل يضرب في عمق النسيج الاجتماعي. فالشعور بالتمييز وعدم المساواة لا يولد الغضب فحسب، بل يزرع الشك المتبادل بين أفراد المجتمع. يبدأ الناس بالانسحاب من فكرة “نحن” إلى دوائر أصغر: عائلة، طائفة، منطقة، أو جماعة مصالح. ومع كل انسحاب صغير يتآكل المعنى الكبير للوطن، حتى يصبح اسمًا بلا مضمون، وخريطة بلا روح.
الخطير في عقلية “الوطن المزرعة” أنها لا ترى المواطنين شركاء، بل عمالًا في حقل لا يملكونه. يُطلب منهم الصبر وقت الأزمات، والتضحية وقت الشدائد، والولاء حين تتطلبه السلطة، لكنهم يُستبعدون حين تُقسَّم المكاسب. هذا التناقض يصنع فجوة نفسية عميقة بين الناس والدولة: دولة تطلب كثيرًا وتُعطي قليلًا، ومواطن يُطالب بالصمت أكثر مما يُطالب بحقه.
وليس من الصدفة أن المجتمعات التي تسود فيها هذه العقلية تعاني من هشاشة الاستقرار. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف ولا بالقبضة الأمنية، بل بالعدالة التي يشعر بها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية: في فرصة عمل عادلة، في قضاء لا يميّز، في تعليم لا يُصنِّف أبناء الوطن درجات. حين يشعر المواطن أن حقوقه لا تعتمد على “من يعرف” بل على “ما يستحق”، تتجذر الطمأنينة، ويصبح الانتماء فعلاً يوميًا لا شعارًا موسميًا.
الوطن القوي لا يقوم على احتكار النفوذ، بل على توزيع الثقة. الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين المواطنين أنفسهم. وهذه الثقة لا تُشترى بالخطابات ولا تُفرض بالقوة، بل تُبنى بسياسات تُشعر الجميع أنهم في القارب نفسه: إن نجا نجو جميعًا، وإن غرق غرق الجميع. أما حين يُصمَّم القارب ليحمل قلة مرفّهة ويترك الآخرين يتشبثون بالأطراف، فالغرق مسألة وقت.
خاتمة
الوطن ليس مزرعة تُدار بمنطق الغنيمة، بل بيتًا واسعًا يتّسع لاختلاف ساكنيه. وكل محاولة لاختزاله في ملكية فئة، أو تحويله إلى مورد خاص، هي خطوة إضافية نحو تفكيك المجتمع من الداخل. إن إنقاذ الوطن لا يبدأ بتغيير الشعارات، بل بتغيير العقلية: من عقلية الامتلاك إلى عقلية الشراكة، ومن منطق الاستئثار إلى منطق العدالة. عندها فقط يستعيد الوطن معناه الحقيقي: مساحة مشتركة للحياة الكريمة، لا حقلًا خاصًا لمن يملك القوة.