
حين يُرفع الغضب شعاراً… وتُختطف الحرية باسم “الاقتناع” :
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
في كل مرة تُفتح فيها نافذة على قضية إنسانية في سوريا، تتسلل إلى المشهد ذات اللغة الجاهزة: لغة الغضب المعلّب، والبيانات المتشنجة، والتفسيرات التي تُلبس الوقائع قسراً ثوب “الهداية” أو “الاختيار الحر” حتى حين تصرخ العائلة والقرائن بأن ما جرى لا يشبه الحرية في شيء...
حادثة الطالبة بتول سليمان علوش ليست استثناءً، بل هي نموذج جديد لمرض أعمق يتجسد في :
تحويل الإنسان إلى مادة في صراع رمزي، وتحوير الوقائع بحيث تُعاد صياغتها لا كما حدثت، بل كما يجب أن تُفهم سياسياً أو أيديولوجياً، لذا فإن الأخطر من الواقعة ذاتها ليس فقط ما حدث، بل ما يُقال عنها لاحقاً، وكيف يُطلب من الناس أن يصدقوا رواية واحدة قسرية تُقدَّم بوصفها “قناعة شخصية” رغم كل ما يحيط بها من أسئلة...
هنا تحديداً تبدأ المشكلة التي يجب تسميتها بلا مواربة:
التديين القسري للحقيقة، أو بالأحرى “أسلمة الغضب” عندما يُستخدم الضغط والخوف – إن صح وجودهما – ثم يُعاد تقديم النتيجة على أنها اقتناع حر، وكأن الإنسان يمكن أن يُنتزع من سياقه، من بيئته، من أهله، من صدمته، ثم يُطلب منه أن يتكلم بلغة الاختيار الطوعي الكامل دون أي أثر لما قبله...
هذا النوع من الخطاب ليس جديداً، لكنه يتخذ اليوم شكلاً أكثر جرأة:
إذ لا يعود الهدف إقناع الناس، بل إسكات السؤال نفسه، لأن مجرد السؤال يصبح في نظر هذا الخطاب نوعاً من التعدي على “الإيمان”، أو التشكيك في “النية”، أو الخروج عن “الطاعة”...
لكن الحقيقة التي يجري تجاهلها عمداً هي أن الإيمان لا يُبنى على نفي السؤال، ولا الاقتناع يولد تحت الضغط، ولا الحرية تُنتج من لحظة خوف ثم تُقدَّم كخيار روحي مكتمل. أي محاولة لتمرير هذا التناقض هي في جوهرها مصادرة ناعمة للحرية تحت قناع ديني...
لقد وصلنا إلى مرحلة خطيرة يصبح فيها الغضب نفسه أداة تبرير، وكأن ارتفاع الصوت دليل صدق، وكأن الانفعال شهادة براءة، وكأن التهديد الأخلاقي كافٍ لإغلاق النقاش. وهذا بالضبط ما يجب تفكيكه: ليس الدين في جوهره، بل تسييس الدين وتحويله إلى جهاز ضغط اجتماعي يعيد تعريف الاختيار الإنساني بالقوة الرمزية...
إن أخطر ما في هذا النمط أنه لا يهاجم الحرية مباشرة، بل يعيد تعريفها، لا يقول “لا حرية”، بل يقول: “هذه هي الحرية”، لا يقول “تم الضغط”، بل يقول:
“هذا اقتناع”. وهنا يتم قلب المعنى رأساً على عقب، بحيث يصبح الاعتراض على الإكراه نفسه تهمة، والسؤال عن الحقيقة تجاوزاً...
لذا أؤكد واقول :
ولا يمكن لمجتمع أن يستقر إذا تم تحويل المعتقد إلى أداة ضبط اجتماعي، أو إذا صار التحول الديني – أو الادعاء به – ذروة الإنجاز السياسي أو الأخلاقي. لأن ذلك يختزل الإنسان إلى مشروع “إعادة صياغة”، لا إلى كائن حر يملك حق الثبات أو التغير دون ضغط أو توجيه قسري.
وكذا:
فإنني أرفض – بشكل واضح وصريح – كل محاولة لمصادرة حرية الإنسان باسم أي خطاب، ديني كان أم سياسي أم اجتماعي. وأرفض أيضاً تحويل الانتماء العقائدي إلى معيار قسري لإثبات الولاء أو النجاة أو القبول...
ليعلم من لايريد أن يعلم :
إن الحرية ليست شعاراً يُرفع حين يناسب، ولا تُلغى حين تُزعج، والإنسان ليس مادة لإعادة تشكيله وفق رواية واحدة، ولا يُطلب منه أن يبرر خياراته تحت تهديد أخلاقي أو اجتماعي أو رمزي...
لذا:
فإن أخطر ما نعيشه اليوم ليس فقط تعدد الروايات، بل محاولة فرض رواية واحدة على أنها الحقيقة المطلقة، حتى لو اصطدمت بذاكرة الناس وتجربتهم ووجدانهم. وهذا هو جوهر الأزمة: ليست أزمة دين، بل أزمة استخدام الدين كغطاء لإلغاء السؤال والاختلاف والحرية...
وفي النهاية:
لا يبقى معيار الحقيقة هو الصوت الأعلى، ولا الانفعال الأشد، بل فقط شيء واحد: أن يكون الإنسان حراً حين يقول ما يقول، لا خائفاً، ولا مضطراً، ولا مُعاد تشكيله ليقول ما يُراد له أن يُقال.