
حين يُصبح الصبر قيدًا… لا فضيلة:
ليس كل ما يُقدَّم للناس على أنه حكمة يكون حكمة، ولا كل ما يُسمّى صبرًا يكون فضيلة. فهناك لحظة دقيقة يفترق فيها الصبر عن الاستسلام، والقناعة عن التبرير، والرضا عن الخضوع. وعند هذه اللحظة تحديدًا يبدأ السؤال الكبير: من الذي يربح حين يُطلب من الناس أن يصبروا على الظلم، ويُقنعوا بالفقر، ويُربَّوا على الرضا بالواقع مهما كان مؤلمًا؟
الفكرة التي تُربّي الإنسان على أن الظلم قدرٌ لا يُقاوَم، وأن الفقر حالة ينبغي التعايش معها بلا سؤال، وأن الواقع – مهما كان مختلًا – هو “الحكمة الإلهية” التي لا يجوز الاقتراب منها بالنقد أو التغيير، ليست فكرة بريئة. إنها ليست أخلاقًا، بل آلية ضبط اجتماعي تُفرغ الإنسان من طاقته النقدية، وتُحوّله من فاعلٍ في التاريخ إلى متفرّجٍ على هامشه.
حين يُقال للفقير: اصبر، دون أن يُقال له أيضًا: طالب بحقك، تُصبح النصيحة نصف حقيقة ونصف خداع. وحين يُقال للمظلوم: احتسب، دون أن يُفتح له باب العدالة، يتحوّل الاحتساب إلى ستارٍ للظلم لا إلى تعزية له. وحين يُقال للناس: هذا هو الواقع، فتُغلق أمامهم كل أبواب تغييره، يتحول “الواقع” نفسه إلى وثنٍ يُعبد لا إلى حالةٍ بشرية قابلة للتبدل.
المشكلة ليست في الصبر ذاته، فالصبر قوة داخلية هائلة حين يكون في مواجهة ما لا يمكن تغييره فورًا. المشكلة حين يُستخدم الصبر لتجميد الإرادة، لا لتقويتها؛ حين يُقدَّم كبديل عن الفعل، لا كمرحلة تسبقه. عندها يتحول من قيمة روحية إلى أداة سياسية واجتماعية تُعيد إنتاج نفس البؤس كل يوم، وتطلب من الناس أن يشكروا عليه أيضًا.
التاريخ لا يصنعه الراضون بكل شيء، بل أولئك الذين سألوا: لماذا يجب أن يبقى هذا على ما هو عليه؟ الذين رفضوا أن يكون الفقر قدرًا دائمًا، أو الظلم نظامًا طبيعيًا، أو القهر “حكمةً عليا” لا تُمس. كل تحوّل كبير في حياة الأمم بدأ من لحظة رفض، لا من لحظة استسلام.
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان في غضب دائم، ولا أن يتحول إلى صراع مفتوح مع كل ما حوله. لكن المطلوب ألا يُسلب حقه في السؤال، ولا أن يُجرَّد من شرعية الاعتراض. فالمجتمعات التي تُربّى على الصمت الطويل، لا تُنتج استقرارًا حقيقيًا، بل تُنتج تراكمًا مؤجَّلًا للانفجار.
إن أخطر ما يمكن أن يُقال لشعبٍ ما ليس “اصبر”، بل “لا تحاول أن تغيّر”. ففي هذه الجملة وحدها يُختصر موت السياسة، وموت الفعل الاجتماعي، وموت الأمل نفسه. أما الصبر الحقيقي، فهو الذي يرافق الفعل، لا الذي يحلّ مكانه؛ وهو الذي يصبر على الطريق، لا على الظلم.
في النهاية، ليست القضية في رفض الصبر، بل في رفض تحويله إلى أداة لتجميل ما لا يُحتمل. فالشعوب لا تنهض بالدعوة إلى التعايش مع الألم، بل بالقدرة على تحويل الألم إلى سؤال، والسؤال إلى فعل، والفعل إلى تغيير.