
حين يُستبدَل التعليم الوطني بوهم الانفصال المبكر .
من الطبيعي، بل ومن البديهي في أي دولة تحترم ذاتها وتعددها، أن تُصان حقوق المواطنين الثقافية واللغوية ضمن إطار جامع لا يميّز ولا يقصي. وفي هذا السياق، فإن تدريس اللغة الكردية لأبناء المواطنين الأكراد ضمن عدد محدود من الحصص الأسبوعية ليس منّة من أحد، بل هو حق ثقافي مشروع ينسجم مع مفهوم المواطنة المتساوية واحترام التنوع داخل الدولة الواحدة.
لكن الخطورة تبدأ حين يُراد تحويل هذا الحق من مساحة تعايش إلى أداة تفكيك، ومن جسر ثقافي إلى مشروع فصلٍ تربوي كامل. فالدعوات التي تتجاوز تعليم اللغة إلى المطالبة بمنهاج مستقل، ومدارس منفصلة، وبيئة تعليمية معزولة عن باقي الطلاب، لا يمكن قراءتها بوصفها تطويراً تعليمياً، بل باعتبارها إعادة هندسة مبكرة للمجتمع على أساس الانقسام لا الشراكة.
إن المدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعرفة، بل هي أول مختبر لصناعة المواطنة. وفيها يتعلّم الأطفال أن اختلاف اللغة لا يعني اختلاف الوطن، وأن تنوّع الخلفيات لا يلغي وحدة المصير. وعندما يُفصل الأطفال عن بعضهم في هذا العمر المبكر، فإننا لا ننتج نظاماً تعليمياً موازياً، بل نزرع حدوداً نفسية قبل أن تُرسم الحدود السياسية.
إن أخطر ما في مشاريع العزل أنها لا تُقدَّم دائماً باسم الانفصال، بل تُغلف بشعارات تعليمية وثقافية تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها بذور قطيعة طويلة الأمد. فالتاريخ يعلّمنا أن الانقسام الحقيقي لا يبدأ بالخرائط، بل يبدأ بالمناهج، وبطريقة رؤية الطفل لزميله المختلف عنه في الصف نفسه.
أما فكرة أن يُبنى لكل مكوّن مجتمعي عالمه المدرسي المنفصل، فهي ليست تعبيراً عن التنوع، بل نقيضه تماماً. لأن التنوع لا يعيش في الجزر المعزولة، بل في الفضاء المشترك، حيث يتعلم الجميع كيف يختلفون دون أن ينفصلوا.
إن أخطر أشكال التفكك ليس ذلك الذي يقع فجأة وبالقوة، بل ذلك الذي يُزرع بهدوء داخل العقول الصغيرة، حتى يكبر جيل كامل وهو يظن أن القرب من الآخر تهديد، وأن الشراكة معه خيار مؤقت لا ضرورة له.
ومن هنا، فإن حماية التعدد لا تعني السماح بتحويله إلى أدوات تقسيم، بل تعني تثبيته داخل إطار وطني جامع، يحفظ لكل لغة مكانها، ولكل ثقافة احترامها، دون أن يسمح لأي منها أن تتحول إلى جدار يفصل بين أبناء الوطن الواحد.